التاريخ · الصف الثالث الثانوي
مصر منذ الثورة العرابية حتى الحرب العالمية الأولى
أسباب الأزمة المالية في عهد إسماعيل وتدرج التدخل الأجنبي (صندوق الدين والرقابة الثنائية وقانون التصفية)، وأسباب الثورة العرابية وأحداثها (قصر النيل وعابدين) وأسباب فشلها واحتلال إنجلترا مصر 1882، وأحوال مصر تحت الاحتلال والحركة الوطنية (مصطفى كامل ومحمد فريد) والوفاق الودي ودنشواي.
آخر تحديث: · كيف نراجع المحتوى
مقدمة
- الشعبة: أدبي فقط (كتاب سنوي موحّد)
- الفصل: الثالث — مصر منذ الثورة العرابية حتى الحرب العالمية الأولى (1881 – 1914)
دخلت مصر في دائرة من الأزمات المالية والسياسية مع القوى الأوروبية انتهت بعزل إسماعيل، وأشعلت الحركة الوطنية ضد التدخل الأجنبي، وانتهى الأمر باحتلال إنجلترا لمصر 1882. وفي هذا الفصل تتتبع لماذا تدخلت أوروبا، وكيف قامت الثورة العرابية ولماذا فشلت، وكيف عاشت مصر تحت الاحتلال، ومن قاد الكفاح الوطني ضده.
أهداف التعلم
- أن تحلل أسباب الأزمة المالية في عهد إسماعيل وتلخص نتائجها السياسية والاقتصادية.
- أن تحدد أسباب الثورة العرابية وتتابع أحداثها.
- أن تفسر أسباب فشل الثورة واحتلال الإنجليز لمصر.
- أن تتعرف أوضاع مصر تحت الاحتلال البريطاني (السياسية والاقتصادية والتعليمية).
- أن توضح جهود الزعامة الوطنية في مقاومة الاحتلال وتقارن بين مظاهرتي عابدين.
شرح الدرس
أولًا: الأوضاع المالية والسياسية — كيف بدأ التدخل الأجنبي؟
بدأت الأزمة السياسية مع القوى الأوروبية بسبب الديون التي استدانتها الحكومة المصرية للصرف على إصدار الفرمانات السلطانية اللازمة لتحقيق قدر من الاستقلال الذاتي، وعلى مشروع قناة السويس وحفل افتتاحها، وإدخال مظاهر الحضارة الأخرى. لكن الديون لم تكن هي السبب الحقيقي لتدخل إنجلترا والدول الأخرى؛ فقد بدأت الديون منذ أواخر حكم سعيد (1862)، وكانت الأسباب الرئيسة هي توسع مصر جهة الجنوب وقناة السويس، لأن هذا التوسع كان من شأنه تهديد النفوذ الأوروبي في شرق إفريقيا. وقد اتضح التهديد من حملة إسماعيل على الحبشة (1875)، وهو العام نفسه الذي بدأ فيه التدخل الأوروبي في شؤون البلاد بحجة البحث عن كيفية تسديد الديون.
| الإجراء | التاريخ | ما حدث |
|---|---|---|
| بعثة كيف | 1875 | استقدمها إسماعيل من بريطانيا للمعاونة في حل الأزمة، فدفع ذلك فرنسا إلى إرسال خبير (المسيو فيليه) حتى لا تنفرد إنجلترا بالأمر |
| صندوق الدين | 1876 | قدم الجانب الفرنسي مشروعه لتوحيد الديون، وهو خزانة فرعية للخزانة العامة تتولى استلام المبالغ المخصصة للديون من المصالح الحكومية مباشرة، وأول هيئة رسمية أوروبية لفرض التدخل في شؤون مصر، يديرها مندوبون أجانب تنتدبهم الدول الدائنة ويعينهم الخديو. وفي مايو 1876 صدر مرسوم بإنشاء مجلس أعلى للمالية من عشرة أعضاء نصفهم أجانب |
| الرقابة الثنائية | نوفمبر 1876 | أُنشئت لمراقبة المالية المصرية من خلال اثنين أحدهما إنجليزي والآخر فرنسي |
| لجنة التحقيق الأوروبية | يناير 1878 | بعد تدهور المالية اتُّهم إسماعيل بأنه يقيم العقبات أمام انتظام الشؤون المالية، فاقترح الرقيبان وأعضاء الصندوق لجنة تحقيق أوروبية فأذعن وأصدر مرسومًا بلجنة التحقيق العليا لفحص شؤون الحكومة المالية، ثم مرسومًا (مارس 1878) يعمم اختصاصاتها لتشمل جميع إيرادات الحكومة ومصروفاتها |
ثانيًا: توفيق وازدياد حدة الأزمة
عندما تولى توفيق الحكم بعد عزل والده إسماعيل (1879) انتهز السلطان العثماني الفرصة لتقييد سلطات الخديوية بمقتضى فرمان أغسطس 1879: وجوب إبلاغ الباب العالي بنصوص المعاهدات التي تنوي مصر توقيعها، وتحديد الجيش بـ18 ألف جندي وقت السلم، وحظر عقد قروض جديدة إلا لتسوية الديون القائمة وبموافقة الدائنين. غير أن إنجلترا وفرنسا طلبتا عدم سحب الامتيازات السابقة، ليس عطفًا على الخديو بل منعًا لطغيان نفوذ السلطان عليه فتتعطل مشروعاتهما.
وأبدى قنصلا إنجلترا وفرنسا عدم الاطمئنان لوزارة شريف باشا التي تتمسك بالدستور وبتشكيل مجلس النواب (لأن الحياة النيابية تعطل مصالح الدائنين)، فبادر توفيق بالتخلص منها وألف وزارة برئاسته (سبتمبر 1879)، ثم جاء رياض باشا وهو من أنصار الحكم المطلق ومعادٍ للنظام الدستوري ويخضع للنفوذ الأوروبي، فكان خير أداة للدول الدائنة. وأعاد توفيق نظام الرقابة الثنائية بعد أن توقف بإدخال وزيرين أوروبيين (إنجليزي وفرنسي) في الوزارة، وجعل القنصلان الرقيبين أكثر نفوذًا من الوزراء (حق حضور جلسات الوزراء والاطلاع على بيان الإيرادات والمصروفات). ثم تبرّمت وزارة رياض من الرقابة، لأن سياساتها أدّت إلى:
- بيع حصة مصر (15%) في أرباح قناة السويس (يناير 1880) لاتحاد الماليين بباريس وفاءً للديون، وكان إسماعيل قد باع أسهم مصر في القناة قبل ذلك، فصارت مصر لا تملك شيئًا في القناة.
- إلغاء قانون المقابلة (يناير 1880)، فيدفع الفلاح الضريبة كاملة، وكان إلغاؤه سببًا لتذمر ملاك الأراضي الزراعية.
- تأليف لجنة دولية (مارس 1880) من الدول صاحبة معظم الديون (فرنسا وإنجلترا وألمانيا والنمسا وإيطاليا) لبحث الحالة المالية وتحديد علاقات الحكومة والدائرة السنية (أملاك إسماعيل الشخصية) والدومين (أملاك الأسرة) بالدائنين وطريقة تصفية الديون السائرة (الديون التي اقترضها سعيد من المرابين بسندات تحرر على الخزانة ولم تسدد فظلت قائمة بفوائدها المركبة). وهي لجنة التصفية التي أصدرت قانون التصفية (يوليو 1880)، وأصبح أساس نظام مصر المالي حتى 1904، ومن أحكامه: تحديد نفقات الحكومة السنوية بأقل من نصف الإيرادات وتخصيص الباقي لحساب الدين العام، وتخصيص أملاك الدائرة السنية والدومين لضمان دين الدائرة السنية ووضعها تحت إدارة دولية.
معلومة إثرائية: تعاظم نفوذ الأعيان أواخر أيام إسماعيل من خلال عضويتهم في مجلس شورى النواب (1866)، ورحب إسماعيل بذلك ليستعين بهم في مواجهة الضغط «الأنجلو فرنسي» وموازنة نفوذ العنصر التركي الشركسي. ولم يعد الأعيان طبقة ريفية فقط، إذ انتقل عدد كبير منهم إلى المدينة وشاركوا في الحياة العامة ودخلوا تدريجيًّا في العمل السياسي المباشر.
ثالثًا: الحركة الوطنية والثورة العرابية
أدت سياسة التدخل الأجنبي في شؤون المالية وخضوع توفيق للأجانب إلى مشاعر الكراهية ضد الأجانب والخديو معًا. وحمل لواء المعارضة صفوة من أعيان المصريين من كبار ملاك الأراضي ومن المتعلمين وانضم إليهم العسكريون. وأدرك المثقفون أن الإصلاح يأتي بتطبيق الدستور الذي وضعه شريف في أواخر حكم إسماعيل (دستور 1879) وإنشاء مجلس النواب.
وتألفت بحلوان جمعية من الناقمين على سياسة رياض هي الحزب الوطني (بيانه السياسي الأول نوفمبر 1879)، وطالب في منتصف 1881: (1) أن تعاد إلى الحكومة المصرية جميع أملاك الخديو (الدائرة السنية) وأملاك الأسرة (الدومين)، (2) إلغاء النص الخاص بتخصيص إيراد السكك الحديدية لحساب الدين، (3) توحيد الديون في دين واحد بفائدة 4% فقط، (4) تكوين إدارة مراقبة وطنية مؤقتة بديلة للمراقبة الثنائية الأجنبية فيها ثلاثة من الأجانب. وتأسست جمعية أخرى بالإسكندرية هي مصر الفتاة أصدرت جريدة بالاسم نفسه وطالبت الخديو بالحريات العامة.
العوامل التي أدت إلى قيام الثورة العرابية:
- ازدياد التدخل الأجنبي وخضوع الخديو للأجانب.
- الحكم المطلق المستبد للخديو ورياض باشا رئيس الوزراء.
- سوء الأحوال الاقتصادية العامة وانهيار الخدمات بسبب تخصيص أكثر من نصف موارد الميزانية لحساب الديون.
- تذمر حائزو الأرض بسبب إلغاء قانون المقابلة؛ فقد استدانوا لدفع ستة أمثال الضريبة أملًا في الإعفاء من نصف الضريبة والتملك القانوني.
- تذمر ضباط الجيش المصري بسبب إحالة كثير من الضباط للتقاعد توفيرًا للنفقات دون تدبير وظائف لهم، وسوء معاملة رؤسائهم الأتراك لهم (خاصة وزير الحربية عثمان رفقي)، وقصر الترقية العسكرية على المتخرجين من المدارس الحربية (مرسوم 31 يوليو 1880) فلا فرصة لترقي غالبية العسكريين المصريين.
وكان العسكريون أكثر تأهلًا للثورة لقدرتهم التنظيمية، إذ عانوا تعسف القيادات التركية الشركسية وحرمانهم من القيادة والرتب العالية، ولما كانوا جزءًا من المجتمع المصري تأثروا بالمناخ العام، وهذا ما أعطى الثورة العرابية بقيادة العسكريين طابعًا مدنيًّا وشعبيًّا عامًّا. أما السبب المباشر فكان نقل الأميرالاي عبد العال بك حلمي قائد آلاي طرة إلى ديوان الحربية وتعيين أحد الشراكسة مكانه، فاجتمع الضباط المصريون في منزل أحمد عرابي (يناير 1881) وكتبوا عريضة تطالب رئيس الوزراء بعزل وزير الحربية عثمان رفقي وتعيين مصري مكانه.
رابعًا: أحداث الثورة العرابية (1881 – 1882)
| الحدث | التاريخ | تفاصيله ونتائجه |
|---|---|---|
| حادثة قصر النيل (مظاهرة عابدين الأولى) | يناير – فبراير 1881 | رفضت الحكومة طلب الضباط وقررت اعتقال زعمائهم (عرابي وعلي فهمي وعبد العال حلمي) وتقديمهم للمحاكمة العسكرية، فهاجمت فرقهم مقر المحاكمة بقصر النيل، وخرج الضباط الثلاثة إلى ميدان عابدين وأمام التجمهر اضطر الخديو إلى عزل عثمان رفقي وتعيين محمود سامي البارودي وزيرًا للحربية (فبراير 1881) |
| مطالب الجيش | 1881 | صرف بدل نقدي عن التغذية والملابس وزيادة المرتبات، وعدم استقطاع المرتبات مدة الإجازات، ودفع العسكريين نصف أجرة بالسكة الحديدية. وفي مايو 1881: زيادة الجيش إلى 18 ألف جندي (حسب فرمان 1841، وكان قد وصل عمليًّا إلى 12 ألفًا فقط)، وإنشاء حصون جديدة، وأضافوا مطلبًا سياسيًّا لأول مرة هو تكوين مجلس نواب تكون الوزارة مسؤولة أمامه، فتوحدت حركة الجيش مع الحركة المدنية |
| موقف الخديو | 1881 | عمل على تحجيم الضباط بتحريض الجنود وكتابة تقارير ضدهم، ورفض الضباط الذهاب إلى السودان لإخماد ثورة المهدي (اعتقادًا بأن الغرض إبعادهم عن مجرى الأحداث) وامتنعوا عن حفر الرياح التوفيقي خوف نزع سلاحهم. وفي يوليو 1881 صدمت عربة أوروبي جنديًّا مصريًّا بالإسكندرية وقتلته فاحتج الجند ونفي المشاركون إلى السودان. ثم قدم عبد العال حلمي تقريرًا يعترض فيه فاستاء الخديو وعيّن صهره داود باشا وزيرًا للحربية فشدد الرقابة على الضباط وفكر في تفريقهم ونقلهم |
| مظاهرة عابدين الثانية | 9 سبتمبر 1881 | حشد عرابي وزملاؤه الجيش في ميدان عابدين ورفع مطالب الجيش والأمة: (1) عزل رياض باشا، (2) تشكيل مجلس النواب، (3) زيادة الجيش إلى 18 ألف جندي |
| نتائجها | سبتمبر 1881 | بناءً على نصيحة القنصلين الإنجليزي والفرنسي للخديو بامتصاص غضب الضباط عزل رياض وكلف شريف باشا بتشكيل الوزارة، وقلد البارودي وزارة الحربية ومصطفى فهمي الخارجية، وبدأ شريف بالإصلاحات المناسبة للجيش. لكن شريف دستوري مدني لم يرتح لضغط العسكريين فنقل كتائب الضباط الثلاثة خارج القاهرة، ثم نُقل عرابي إلى الشرقية وعبد العال حلمي إلى دمياط، فازداد شأن عرابي، ثم عُيِّن وكيلًا لوزارة الحربية (يناير 1882) |
| مجلس النواب | ديسمبر 1881 | افتتح بعد الانتخابات وكان من ذوي العصبيات في الأقاليم من الأعيان وخلا من التجار والصناع والمتعلمين تعليمًا عاليًّا، فلم يختلف كثيرًا عن مجلس شورى النواب أيام إسماعيل |
التدخل الأجنبي (المذكرة المشتركة الأولى، يناير 1882): رأت إنجلترا وفرنسا في مجلس النواب خطرًا على مصالحهما، فأرسلتا مذكرة مشتركة توحي بالاستياء من قيام نظام برلماني وتذكر أن الأحداث توجب التدخل لحماية عرش الخديو. فاحتج شريف رسميًّا واستاء الضباط من لهجتها. وبعد فشلهما في إلغاء المجلس طلبتا ألا تتضمن لائحته حقه في مناقشة الميزانية لأنها تتعلق بالديون، فتمسك العرابيون بحق المجلس ورأوا أن شريفًا يعمل على إقصائهم، فاستقال شريف وتألفت وزارة البارودي (وزارة الثورة) وعُيّن عرابي وزيرًا للحربية، وأعلنت الدستور (فبراير 1882) وحق المجلس في مناقشة الميزانية، فاحتج الرقيبان.
مؤامرة الضباط الشراكسة (أبريل 1882): اكتُشفت مؤامرة لاغتيال عرابي والضباط الوطنيين (أربعون ضابطًا)، وحُكم على المتآمرين بالنفي المؤبد إلى السودان وتجريدهم من الرتب، فرفض الخديو التصديق بنصيحة القنصلين، ثم تم التوصل إلى حل وسط (مايو 1882): نفيهم خارج مصر دون تحديد الجهة مع عدم التجريد من الرتب.
المذكرة المشتركة الثانية (مايو 1882): شعر القنصلان أن الحالة تنذر بالثورة وبخلع الخديو، فأرسلت إنجلترا وفرنسا قطعًا من الأسطول في مظاهرة حربية أمام الشواطئ المصرية بحجة حماية رعاياهما. وطلبت الدولتان استقالة وزارة البارودي وإبعاد عرابي عن مصر، وقدم الطلب للعرابيين عن طريق سلطان باشا رئيس مجلس النواب فقد ثقة زعماء الثورة. ورفضت الوزارة الاستقالة بناءً على طلب الأجانب، وأقسم البارودي والضباط على الدفاع عن البلاد والولاء للثورة، وقام الشيخ محمد عبده بتحليف الضباط اليمين. لكن الخديو استقبل مذكرة الدولتين، فاستقالت الوزارة احتجاجًا (مايو 1882) وشكل توفيق وزارة برئاسته إلا أنه لم يستطع التخلص من عرابي فعيّنه وزيرًا للحربية والبحرية ورئاسة الجيش تحت ضغط الضباط. وبدأت إنجلترا تتجه نحو الانفراد بالعمل بعيدًا عن فرنسا، وجاءت الفرصة عندما انسحبت قطع من الأسطول الفرنسي وبقيت القطع الإنجليزية.
مذبحة الإسكندرية (يونيو 1882): وقعت على إثر شجار بين رجل مالطي من رعايا بريطانيا وبين مكاري مصري (عربجي) حول أجرة الركوب، فطعن المالطي المصري طعنة قاتلة، وتحول الأمر إلى معارك متبادلة بين الأجانب والمصريين. ويبدو أن الحادث كان مدبرًا (أخذ المالطي جولة كبيرة على غير المعتاد وتعمد أن يدفع أجرة قليلة). واضطربت الأمور واختل الأمن، وتألفت وزارة جديدة برئاسة راغب باشا (20 يونيو 1882).
مؤتمر الآستانة (يونيو 1882): أدركت فرنسا أن إنجلترا تريد الانفراد بحكم مصر واحتلالها، فبادرت بدعوة الدول الكبرى لعقد مؤتمر للنظر في المسألة المصرية، ووافقت إنجلترا وألمانيا وإيطاليا والنمسا، وعُقد بالآستانة في مقر السفارة الإيطالية. وأبرم المجتمعون ميثاق نزاهة تعهدوا بمقتضاه ألا تنفرد إحداها بالعمل تجاه المسألة المصرية، سواء باحتلال جزء من الأراضي أو الحصول على امتياز معين دون أن تتمتع به كافة الدول. لكن المندوب البريطاني أضاف عبارة «إلا إذا حدث ما يؤدي إلى ذلك»، وقبل أن يبلغ المجتمعون السلطان بقرارهم كانت إنجلترا قد أعدت للأمر عدته.
خامسًا: احتلال إنجلترا لمصر 1882
- ضرب الإسكندرية (11 يوليو 1882): بحجة أن مصر تقوم بتحصين الإسكندرية، وتعتزم غلق الميناء وحصار البوارج الإنجليزية الراسية فيه، وهكذا ذهب ميثاق النزاهة سدى. ونزلت القوات الإنجليزية الإسكندرية، وأعلنت الأحكام العرفية وحاصر الجيش قصر الخديو بالإسكندرية، وربط الخديو مصيره بانتصار الإنجليز، وانسحب عرابي مع وحدات من الجيش إلى كفر الدوار لإقامة خط دفاع ثان.
- موقف الخديو: طلب من عرابي الكف عن الاستعدادات الحربية والحضور إلى قصر رأس التين، لكن عرابي رفض ووجه إلى الخديو تهمة الخيانة العظمى، وطلب من الأعيان والعلماء النظر في أمر ولايته، فتشكل مجلس عرفي لإدارة شؤون البلاد بعيدًا عن سلطة الخديو. فقرر الخديو عزل عرابي من وزارة الحربية، فقرر المجلس العرفي بقاءه، واكتسب عرابي تأييدًا شعبيًّا جارفًا وأطلق عليه «حامي حمى الديار المصرية». واعتبر بقاء الخديو بالإسكندرية بعد احتلال الإنجليز لها تواطؤًا معهم، وأصدر الخديو منشورًا يحذر المصريين من الانضمام إلى عرابي.
- قناة السويس: دخل الإنجليز إلى القناة، وقد حاول عرابي قبل ذلك إعاقة الملاحة فيها إلا أن إدارة الشركة طمأنته بأنها لن تسمح للبوارج الحربية بالدخول، وكان عرابي قد انتقل بقواته إلى القصاصين في الشرقية تحسبًا لدخول الإنجليز من الناحية الشرقية.
- معركة التل الكبير: وقع الصدام بين الجيش البريطاني والجيش المصري في التل الكبير وانتهى بهزيمة الجيش المصري، وأصبح الطريق مفتوحًا أمام الجيش الإنجليزي إلى القاهرة حيث دخلها في 14 سبتمبر 1882 وبرفقتهم الخديو توفيق الذي قام باستعراض الجيش الإنجليزي في ساحة عابدين. وبهذا انتهت الثورة العرابية.
أسباب فشل الثورة العرابية:
- الانقسام في صفوف الأمة بين المؤيدين لعرابي والمؤيدين للخديو والعناصر التركية الشركسية، بسبب قيام السلطان العثماني بإصدار فرمان العصيان ضد عرابي، وقد ساعد ذلك الإنجليز على الاستفادة من التناقضات.
- اختلاط هدف التخلص من التدخل الأجنبي وتحدي سلطة الخديو والتهديد بعزله، فمن العناصر من لا يريد تحدي سلطة الخديو بوصفه ولي الأمر، فتفتت وحدة الحركة الوطنية.
- ظهور عناصر انهزامية في صفوف الوطنيين رأت الانصياع لرغبات الخديو والإنجليز وإيقاف الثورة.
- عدم تكافؤ القوة العسكرية، وتواطؤ إدارة شركة قناة السويس الأجنبية مع قيادة الجيش الإنجليزي وتسهيل دخول الأسطول إلى القناة.
- معاداة الدول الأوروبية الكبرى لأي ثورات وطنية من شأنها تغيير ميزان القوى وأوضاع الحكم القائمة على الملكيات المستبدة.
سادسًا: أحوال مصر تحت الاحتلال الإنجليزي
1) الأوضاع السياسية: فقدت مصر استقلالها بعد دخول الجيش الإنجليزي وحل الجيش المصري وتشكيل جيش جديد تحت إشراف إنجليزي. ووضع اللورد دافرين سفير إنجلترا بالآستانة خطوط الإدارة الإنجليزية لمصر في القانون الأساسي لعام 1883، وأفكاره:
- ألا تتولى إنجلترا حكم مصر مباشرة بل تبقى السلطة بيد الخديو ووزرائه تحت إشراف الإنجليز؛ أي سلطتان: صورية يمثلها الخديو وفعلية يمثلها الاحتلال.
- استمرار تبعية مصر للدولة العثمانية منعًا لإثارة السلطان.
- طبع الإدارة المصرية بالطابع الإنجليزي (النجلزة، أي صبغ كل مظاهر الحياة في مصر بالصبغة الإنجليزية).
- إلغاء بعض الإدارات ذات الصيغة الدولية وفي مقدمتها الرقابة الثنائية حتى تنفرد إنجلترا بالحكم، وكان سببًا في عداء فرنسا لإنجلترا حتى وُقِّع الوفاق الودي 1904.
- إلغاء مجلس النواب الذي شكل على غير رغبة إنجلترا وفرنسا، وإقامة مجلس صوري هو مجلس شورى القوانين وبجواره جمعية عمومية صورية، ومجالس للمديريات تضم الأعيان.
وتم تعيين السير إيفلن بارنج (اللورد كرومر فيما بعد) أول معتمد بريطاني في مصر (سبتمبر 1883)، وظل رمزًا للوجود الإنجليزي حتى رحل عنها في 1907.
2) الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية: انصرف الاهتمام بدرجة أكبر إلى الزراعة على حساب الصناعة حتى الحرب العالمية الأولى لتوفير المادة الخام للمصانع الإنجليزية وتسويق المنتجات الإنجليزية في السوق المصرية.
- الزراعة: تحسين الري والصرف وإتمام شق القنوات: إصلاح القناطر الخيرية، وإنشاء خزان أسوان، وإقامة قناطر على النيل في أسيوط وإسنا وزفتى، فزادت المساحة المزروعة والإنتاج. وزادت الزراعة الصيفية وخاصة القطن على حساب الشتوية وبخاصة الحبوب، فعجزت مصر عن سد حاجة الاستهلاك المحلي من الغذاء وتعرضت لخطر الاعتماد على محصول واحد. وتعاظم دور ملاك الأراضي كقوة اجتماعية بسبب اهتمام السلطات بالتخصص الزراعي: فشُكلت مجالس المديريات منهم ودخلوا المجالس النيابية، وسيطروا على وظيفتي العمدة وشيخ البلد بعد قانون العمد (1896) الذي اشترط أن يكون المرشح ممن يملكون عشرة أفدنة على الأقل.
- الصناعة: وضعت الصناعة المحلية في منافسة غير متكافئة بالإجراءات التالية: ضريبة 8% على جميع المنسوجات القطنية المصرية مما أدى إلى كساد الغزل والنسيج، وضريبة استهلاك على السكر المصنوع في مصر فارتفع سعره وتساوى مع المستورد، وضريبة على الآلات المستوردة اللازمة للصناعة تعادل الضريبة على السلع الأجنبية فارتفعت التكلفة، ورسوم 1.25% على المصنوعات المصرية المصدرة فارتفع سعرها في الخارج، وتدهور التعليم الصناعي بعد الاحتكار فلم يلتفت إليه إلا في 1907 حين أنشئت إدارة للتعليم الفني الصناعي. وأغلقت مصانع المدافع والذخيرة وبيعت أدواتها وصار الجيش يشتري معداته وذخيرته من إنجلترا. وانهارت الصناعات الصغيرة (ألغيت الطوائف 1891) وصارت البضائع المستوردة تشكل نسبة كبيرة من استهلاك المصريين. وفضّل كبار الملاك استثمار مدخراتهم في استصلاح الأراضي والزراعة، وأحجم الأجانب عن الاستثمار الصناعي ليفسحوا المجال لمنتجات بلادهم.
- التجارة والمال: ارتفع شأن الوكالات التجارية الأجنبية، واستثمرت رؤوس الأموال المتراكمة في الشركات والبنوك وخاصة الرهونات. وأبرز المشروعات وأخطرها البنك الأهلي (يونيو 1898) وهو مشروع إنجليزي احتكر إصدار الأوراق المالية المصرية وكافة الأعمال المصرفية، فارتبطت العملة المصرية بالعملة الإنجليزية. ونتج عن الاستثمارات الأجنبية في الزراعة من حيث التسليف وشراء الأراضي أن وقع ملاك الأراضي صغارهم وكبارهم في قبضة البنوك، وعجز الفلاحون عن سداد القروض فاستولى الدائنون على الأرض وفاءً للديون (بالبيوع الجبرية أو الوفائية).
معلومة إثرائية: في مطلع القرن العشرين بلغ رأس مال الشركات الأجنبية المساهمة في مصر 45 مليون جنيه لم يزد نصيب الاستثمار الصناعي منها على 4 ملايين فقط. وخلال الفترة من 1900 إلى 1907 أُنشئت أكثر من 160 شركة وبنكًا تعمل في دائرة البنوك واستصلاح الأراضي وتسليف الفلاحين، وبلغت نسبة الأجانب في هذه المشروعات 93%.
3) التعليم: يعد إهمال التعليم أهم مساوئ الاحتلال، والضن عليه بالأموال وجعله بمصروفات عالية بعد أن كان بالمجان، وحصره في فئة قليلة، وقصر أهدافه على تخريج موظفين للدولة وإخضاعه لقواعد صارمة ابتدعها المستشار الإنجليزي دنلوب التي أماتت روح الابتكار ونشّأت الأفراد على الخضوع والاستسلام.
سابعًا: الحركة الوطنية في عهد الاحتلال
أ) مرحلة الخمود (1882 – 1892): خمدت الروح الوطنية طوال عشر سنوات بسبب وقوع مصر تحت الاحتلال ونفي بعض زعماء الثورة العرابية واعتقال بعضهم، فأصبحت السلطة الفعلية للمعتمد البريطاني، وبدأت سياسة إخضاع الإدارة للعناصر الإنجليزية في كل مصلحة (الجيش والشرطة والمالية والأشغال والحقانية). وتفرقت الشخصيات البارزة وانشغل بعضها بالوظائف أو الأعمال الخاصة، بل صار بعضها صانعًا للإنجليز. ولا يذكر في هذا إلا:
- جمعية سرية «جمعية الانتقام» (تهدف إلى تحرير الوطن باغتيال الإنجليز) لكنها قُضي على أفرادها في وقت قصير (يونيو 1883).
- جريدة «العروة الوثقى» على يد جمال الدين الأفغاني والشيخ محمد عبده لمهاجمة الاحتلال.
- جريدة «المؤيد» (1889) في إطار الجامعة الإسلامية.
ب) تولي عباس حلمي الثاني (يناير 1892): تطلع إلى ممارسة سلطاته كاملة بعيدًا عن سيطرة المعتمد البريطاني، فأوقعه ذلك في أزمات مع الإنجليز، أبرزها حين أقال مصطفى فهمي من رئاسة الوزارة (وكان معروفًا بخضوعه التام للإنجليز) وعيّن حسين فخري دون استشارة المعتمد (يناير 1893)، فاعترض كرومر وأبرق إلى حكومته في لندن، واضطر الخديو إلى المهادنة وتم الحل بالإيعاز إلى حسين فخري بتقديم استقالته وتكليف رياض باشا برئاسة الوزارة. وقد وعى الخديو الدرس ولم يفكر في مواجهة كرومر حتى غادر البلاد (1907). وكان السلطان العثماني يقاسم الخديو السلطة القانونية الاسمية (إصدار فرمانات التولية)، بينما هناك وجود دولي لبعض الإدارات (صندوق الدين وإدارة السكك الحديدية والتلغراف والدائرة السنية والدومين وميناء الإسكندرية فضلًا عن الامتيازات الأجنبية والمحاكم المختلطة). ووثق الخديو علاقاته بالسلطان، وبدأ يتقرب إلى الشعب فأفرج عن بعض مسجوني الثورة العرابية وأعاد إليهم نياشينهم وعفا عن عبد الله النديم خطيب الثورة.
وشجعت مواقف عباس المتشددة روح المقاومة، فبدأ مجلس شورى القوانين يهتم بالأمور السياسية (وكان ممنوعًا) فطالب بمناقشة الميزانية وبوضع نظام جديد للضرائب وبحل مشكلة الديون العقارية والتوقف عن تعيين الأجانب في الوظائف العليا.
ج) مرحلة الازدهار: رغم توقف الحركة سياسيًّا فقد ساعد المناخ الثقافي على نمو الروح الوطنية؛ فانتشرت صحافة الرأي، وأتت البعثات ثمارها حيث عاد المبعوثون يفرضون وجودهم على الساحة الفكرية وقد تأثروا بالحياة الأوروبية في ظل الحياة النيابية الدستورية، ووجدوا طريقهم إلى الصالونات الفكرية والمنتديات الأدبية.
ثامنًا: دور مصطفى كامل في الكفاح ضد الاحتلال
كان المناخ مناسبًا لانتعاش الحركة الوطنية بزعامة مصطفى كامل، حيث نسق أفكاره مع الخديو عباس حتى لا يقع تناقض بينهما كما حدث بين عرابي وتوفيق، ونسق حركته مع السلطان العثماني نظرًا لتبعية مصر لتركيا. واقترح على السلطان (1897) أن يوافق على جلاء الجيش العثماني عن بلاد اليونان مقابل جلاء الإنجليز عن مصر، وأفاد من اعتراض فرنسا على بقاء إنجلترا في مصر فاتصل بالسياسيين والمثقفين والصحفيين الفرنسيين وعقد معهم علاقات شخصية، وفي مقدمتهم مدام جوليت آدم، وسافر أكثر من مرة إلى فرنسا وغيرها يكتب في صحفها ويخطب في الاجتماعات العامة للمطالبة بجلاء الإنجليز.
تراجع الخديو عباس (حادثة فاشودة 1898): اقتسمت إنجلترا وفرنسا وإيطاليا مناطق جنوب السودان وشرق إفريقيا بعد خروج الجيش المصري من السودان (1884) في أعقاب الثورة المهدية: احتلت إنجلترا أوغندا والجزء الجنوبي من مديرية خط الاستواء المصرية، وإيطاليا إريتريا وجرد فوي، وفرنسا تاجورة وجيبوتي. وعزمت فرنسا على صد التيار الإنجليزي في قلب إفريقيا فأرسلت حملة لاحتلال فاشودة في أعالي النيل الأبيض قرب التقائه بنهر السوباط ووصلت في يوليو 1898، فاحتجت إنجلترا باسم مصر باعتبارها أرضًا مصرية، ثم أرسلت حملة وصلت في سبتمبر 1898، وانتهى الأمر عند حد المواجهة غير المسلحة وانسحبت القوات الفرنسية بعد اتصالات دبلوماسية (ديسمبر 1898).
| نتائج فاشودة | |
|---|---|
| على الخديو | كان الخديو والوطنيون يعتقدون أن فرنسا أقدمت على احتلال فاشودة لفتح باب المسألة المصرية، فلما تراجعت فرنسا دبّ اليأس في النفوس، وكان عباس أول المنهزمين فأعاد ترتيب حساباته ورَكَن إلى المسالمة: توقيع اتفاقية الحكم الثنائي للسودان بين مصر وإنجلترا (يناير 1899) التي رسمت الحدود بين مصر والسودان عند خط عرض 22° شمالًا، ثم زيارة لندن 1900، وانتهت إلى سياسة الوفاق بين عباس وجورست (1907 – 1911) |
| على مصطفى كامل | أدرك استحالة الاعتماد على الخديو، لكنه لم ييأس وهو صاحب القول المأثور: «لا يأس مع الحياة ولا حياة مع اليأس». فكثّف نشاطه لإيقاظ الوعي، وأسس جريدة «اللواء» (1900) تنطق باسم الجلاء وتدعو إلى الدستور، واعتمد أكثر على الدولة العثمانية في إطار الجامعة الإسلامية وأصدر جريدة «العالم الإسلامي» الأسبوعية (1905). ونجح بأسلوب المحاماة في تنبيه الضمير العام إلى حق مصر في الاستقلال والجلاء، لكن سياسة المصالح المشتركة الدولية وسياسة الوفاق بين السلطة الصورية (الخديو) والسلطة الفعلية (الإنجليز) أدت إلى تغييب الضمير وتكسير الوعي |
معلومة إثرائية: تخرج مصطفى كامل في مدرسة الحقوق المصرية والفرنسية، ولم يترافع في أي قضية مدنية بل وهب نفسه لخدمة قضية استقلال مصر. وانتشرت الصالونات المصرية في الربع الأخير من القرن التاسع عشر مثل صالون لطيف سليم باشا (1893) الذي كان يحمل أفكار العرابيين والمنتدى الأفغاني ومنتدى السيد البكري وصالون أحمد تيمور باشا، وصالونات السيدات مثل صالون عائشة التيمورية ونازلي هانم فاضل.
تاسعًا: الوفاق الودي الإنجليزي الفرنسي 1904
كانت فاشودة مقدمة لسياسة من الوفاق بين إنجلترا وفرنسا بدلًا من المواجهة المسلحة، والتحالف معًا ضد قوة ألمانيا المتنامية، وكان ملك إنجلترا وراء هذه السياسة (زار باريس 1903). وانتهت المفاوضات إلى إبرام الوفاق الودي في أبريل 1904 في إطار تحالف إنجلترا وفرنسا ضد تحالف ألمانيا والنمسا وإيطاليا. وكانت فرنسا تسعى لبسط سيطرتها على مراكش (المغرب) بعد أن احتلت الجزائر (1830) وتونس (1881)، وكانت إنجلترا تعارض مد نفوذ فرنسا إلى مراكش مثلما كانت فرنسا تعارض بقاء إنجلترا في مصر. فجاء الوفاق ليعلن عن نية إنجلترا عدم تغيير الحالة السياسية في مصر، بمعنى أن (تطلق إنجلترا يد فرنسا في مراكش مقابل أن تطلق فرنسا يد إنجلترا في مصر).
حادثة دنشواي (يونيو 1906): اطمأنت إنجلترا لعدم المعارضة الدولية لها واشتدت سلطات الاحتلال في التضييق على الوطنيين، فنجد أن كرومر يطعن في المصريين بعدم الكفاية للحكم الذاتي. وتلخص الحادثة في قيام ضباط إنجليز برحلة لصيد الحمام في قرية دنشواي (إحدى قرى المنوفية)، وصرخ أحد الفلاحين محذرًا بعدم إطلاق النار على الحمام حتى لا يحترق جرن القمح (وكان وقت حصاد المحصول)، فأصرّ الضباط على إطلاق الرصاص فأخطأت الحمام وقتلت امرأة، فهاج الأهالي على الضباط وطاردوهم ومات أحدهم من ضربة شمس. لكن الإدارة البريطانية انتقمت أشد الانتقام فأحالت 52 متهمًا للمحاكمة (فضلًا عن محاكمة سبعة غيابيًّا) وانتهت المحكمة الصورية بـشنق أربعة ومعاقبة اثني عشر بالأشغال الشاقة لمدد متفاوتة، وجلد خمسة. وكانت الأحكام شديدة وقاسية لا تتناسب مع الحادثة لكن المقصود إخماد صوت الوطنيين إلى الأبد.
واستغل مصطفى كامل الحادثة في التنديد بالاحتلال في مصر وأوروبا، وأدركت الحكومة الإنجليزية صعوبة ما تتعرض له إدارتها في مصر فقامت بسحب كرومر من مصر (أبريل 1907) لتهدئة الموقف، غير أن الموقف أدى إلى اشتداد ساعد الحركة الوطنية على عكس ما كان يرمي إليه الاحتلال. وأدرك مصطفى كامل ضرورة تنظيم الجهود الوطنية فأنشأ نادي المدارس العليا والحزب الوطني (ديسمبر 1907) وأصدر طبعتين إنجليزية وفرنسية من جريدة اللواء للقارئ الأوروبي.
عاشرًا: دور محمد فريد
بعد دنشواي توفي مصطفى كامل في فبراير 1908 وخلفه في زعامة الحزب الوطني محمد فريد، وكانت سياسة الوفاق الإنجليزي الفرنسي إزاء المسألة المصرية قد نضجت، وكان الخديو عباس قد أمن بعدم معاداة إنجلترا ولجأ إلى ترتيب أوضاعه مع الاحتلال وتنكر للحركة الوطنية. وبدأ ذلك بوضوح عندما جاء جورست خلفًا لكرومر كمعتمد بريطاني (1907 – 1911)، وفي إطار سياسة الوفاق اختلفت سياسته عن كرومر: تخفيف الرقابة على تصرفات الخديو وتوسيع سلطات مجلس النظار وإطلاق يد المصريين في إدارة شؤون بلادهم إلى حد ما وتمصير الإدارة تدريجيًّا وإيقاف سياسة النجلزة. وفي الوقت نفسه زاد تباعد الوطنيين عن الخديو وأصبح العداء صريحًا. وفي ذلك المناخ قاد محمد فريد الحزب الوطني ووسّع دائرته بحيث لا تقتصر عضويته على المثقفين من أبناء المدن بل ضم النقابات العمالية إلى الحزب، وأسهم في تكوين نقابة عمال الصنائع اليدوية (1909)، وعمل على تثقيف عامة الشعب وتعليمهم في مدارس ليلية.
وفي 1911 مات جورست وخلفه كتشنر، وعاد كتشنر سياسة القبضة الحديدية والحكم المطلق، فعادت سياسة النجلزة ومطاردة الوطنيين. وكتب محمد فريد مقدمة لديوان شعر بعنوان «وطنيتي» فحُكم بحبسه ستة أشهر، وقررت السلطات اعتقاله مطلع 1912، فآثر أن يترك مصر اختيارًا في مارس 1912 ليواصل نضاله ضد الاحتلال في المحافل الأوروبية إلى أن مات في 1919 بألمانيا.
حادي عشر: الأحزاب السياسية الأخرى
لم يكن الحزب الوطني وحده في ميدان النضال، وإن كان أعلاها صوتًا وأوضحها موقفًا. ويعد عام 1907 عام نشأة الأحزاب السياسية في مصر، وكانت تناضل ضد الإنجليز وتطالب بالجلاء والدستور والحياة النيابية الحقيقية، لكن كلًّا منها بالكيفية التي كان يرى أنها مناسبة ولما يعبر عنه من مصالح وقوى سياسية، وقد استمر الحال كذلك بين مد وجزر إلى أن قامت الحرب العالمية الأولى (1914).
| الحزب | أبرز ما يميزه |
|---|---|
| الحزب الوطني | بقيادة مصطفى كامل ثم محمد فريد، يطالب بالجلاء |
| حزب الإصلاح على المبادئ الدستورية | مؤسسه الشيخ علي يوسف، قام بتأييد الخديو |
| حزب الأحرار | محمد بك وحيد، نشأ في أحضان الاحتلال |
| الحزب الدستوري | إدريس بك راغب، يؤيد السلطتين الصورية والفعلية |
| حزب النبلاء | حسن حلمي زاده، يعبر عن عودة السيادة للعناصر التركية الشركسية |
| الحزب المصري | لويس أخنوخ |
| حزب الأمة | أحمد لطفي السيد، يعبر عن مصالح كبار الملاك الزراعيين وصاحب شعار «مصر للمصريين» |
| الحزب الجمهوري | محمد غانم |
أمثلة وتطبيقات
قارن بين مظاهرتي عابدين:
| وجه المقارنة | الأولى (يناير – فبراير 1881) | الثانية (9 سبتمبر 1881) |
|---|---|---|
| السبب | نقل عبد العال حلمي وقرار اعتقال عرابي وزميليه ومحاكمتهم عسكريًّا | استمرار سياسة الخديو ورياض وتشديد داود باشا الرقابة على الضباط وتفريقهم |
| المطالب | عزل وزير الحربية عثمان رفقي | عزل رياض وتشكيل مجلس النواب وزيادة الجيش إلى 18 ألفًا |
| النتيجة | عزل رفقي وتعيين البارودي | عزل رياض وتشكيل وزارة شريف وإجراء الانتخابات |
اربط السبب بالنتيجة: قانون التصفية 1880 ← تخصيص أكثر من نصف الإيرادات للدين ← انهيار الخدمات وتذمر الأعيان والضباط ← الثورة العرابية 1881 ← المذكرة المشتركة وتحرك الأسطول ← ضرب الإسكندرية 11 يوليو 1882 ← التل الكبير ← الاحتلال.
ملاحظات مهمة
- لا تخلط بين صندوق الدين (1876) والرقابة الثنائية (نوفمبر 1876) وقانون التصفية (1880).
- مظاهرة عابدين الأولى (يناير – فبراير 1881) نتيجتها عزل عثمان رفقي، والثانية (9 سبتمبر 1881) نتيجتها عزل رياض.
- مؤتمر الآستانة (يونيو 1882) أنتج «ميثاق النزاهة» الذي نقضته إنجلترا بضرب الإسكندرية (11 يوليو 1882).
- الحزب الوطني الذي تأسس بحلوان (نوفمبر 1879) غير الحزب الوطني الذي أسسه مصطفى كامل (ديسمبر 1907)؛ ولكل ظروفه وزعماؤه.
- أحزاب 1907 نشأت جميعها في عام 1907؛ وأقدمها وأعلاها صوتًا الحزب الوطني (ديسمبر 1907).
- دنشواي (يونيو 1906) كانت سببًا في سحب كرومر لا في بقائه (أبريل 1907).
- الوفاق الودي يعني إطلاق يد فرنسا في مراكش مقابل إطلاق يد إنجلترا في مصر.
المفاهيم الأساسية
- صندوق الدين: هيئة أوروبية تستلم المبالغ المخصصة للديون مباشرة من المصالح الحكومية.
- الرقابة الثنائية: رقيبان إنجليزي وفرنسي على مالية مصر (نوفمبر 1876).
- قانون التصفية 1880: أساس نظام مصر المالي حتى 1904؛ النفقات أقل من نصف الإيرادات.
- الدائرة السنية والدومين: أملاك إسماعيل الشخصية وأملاك الأسرة.
- المذكرة المشتركة: مذكرتان من إنجلترا وفرنسا ضغطتا على الحركة الوطنية (يناير ومايو 1882).
- ميثاق النزاهة: تعهد الدول بعدم انفراد أي منها بالعمل في المسألة المصرية.
- النجلزة: صبغ الحياة في مصر بالصبغة الإنجليزية.
- الوفاق الودي 1904: اتفاق إنجلترا وفرنسا على تبادل إطلاق اليد في مصر ومراكش.
- فاشودة 1898: أزمة بين فرنسا وإنجلترا على أعالي النيل.
ملخص الدرس
أدى تدخل أوروبا بحجة الديون (بعثة كيف وصندوق الدين والرقابة الثنائية 1876 ولجنة التحقيق 1878) إلى عزل إسماعيل 1879، ثم زاد التدخل في عهد توفيق بقانون التصفية 1880. وقامت الثورة العرابية بسبب التدخل الأجنبي واستبداد الخديو ورياض وانهيار الخدمات وتذمر الملاك وضباط الجيش المصريين، فكانت مظاهرتا عابدين 1881 ثم وزارة البارودي، وتبعتها المذكرتان المشتركتان ومذبحة الإسكندرية ومؤتمر الآستانة، حتى ضرب الإنجليز الإسكندرية 11 يوليو 1882 وهزموا الجيش في التل الكبير ودخلوا القاهرة 14 سبتمبر 1882. وفشلت الثورة للانقسام والفرمان العثماني وتواطؤ شركة القناة وعدم تكافؤ القوة. وفي عهد الاحتلال حكم كرومر عبر سلطة صورية للخديو وركز على الزراعة والقطن، وخمدت الحركة الوطنية ثم نشطت بعد 1892 بزعامة مصطفى كامل (اللواء 1900 والحزب الوطني 1907)، ثم محمد فريد بعد 1908، وسط الوفاق الودي 1904 وحادثة دنشواي 1906 وظهور أحزاب 1907.
أسئلة للتدريب
- فسّر لماذا لم تكن الديون السبب الحقيقي لتدخل الدول الأوروبية.
- رتب الإجراءات الآتية زمنيًا: قانون التصفية، صندوق الدين، لجنة التحقيق العليا، الرقابة الثنائية.
- اذكر أسباب الثورة العرابية، وما السبب المباشر لتجمع الضباط؟
- قارن بين مظاهرتي عابدين الأولى والثانية.
- ما ميثاق النزاهة؟ وكيف نقضته إنجلترا؟
- اذكر أسباب فشل الثورة العرابية.
- وضح كيف أثر الاحتلال في الزراعة والصناعة والتعليم.
- بين دور مصطفى كامل ومحمد فريد في مقاومة الاحتلال.
- ما الوفاق الودي 1904؟ وما أثره على الحركة الوطنية؟