التاريخ · الصف الثالث الثانوي
التوسع الاستعماري في البلاد العربية قبل الحرب العالمية الأولى
التوسع الاستعماري الأوروبي في البلاد العربية قبل الحرب العالمية الأولى حتى الاستقلال: بريطانيا في الخليج وجنوب الجزيرة العربية، وفرنسا في الجزائر وتونس والمغرب (ومقاومة الأمير عبد القادر ودور مصر في الثورة الجزائرية)، وإيطاليا في ليبيا ومقاومة عمر المختار، مع جدول زمني وأسباب ونتائج.
آخر تحديث: · كيف نراجع المحتوى
مقدمة
- الشعبة: أدبي فقط (كتاب سنوي موحّد)
- الفصل: الخامس — التوسع الاستعماري في البلاد العربية قبل الحرب العالمية الأولى حتى الاستقلال
عندما خضعت مصر للاحتلال البريطاني (سبتمبر 1882) وتلتها السودان، كانت بلاد عربية أخرى قد وقعت تحت سيطرة إنجلترا وفرنسا منذ مطلع القرن التاسع عشر. وحين اندلعت الحرب العالمية الأولى صيف 1914 كانت جميع البلاد العربية من المحيط إلى الخليج في قبضة الاستعمار، فيما عدا قلب الجزيرة العربية والحجاز، وكذلك بلاد سوريا الكبرى والعراق التي كانت لا تزال ولايات تحت الحكم العثماني المباشر. في هذا الفصل تتعرف لماذا وكيف استعمرت الدول الأوروبية هذه البلاد، وكيف قاوم أهلها، ومتى نالوا استقلالهم، وما دور مصر في ذلك.
أهداف التعلم
- أن تتعرف الأوضاع التي مهدت للاستعمار الأوروبي للبلاد العربية في القرن التاسع عشر.
- أن تفسر أسباب التوسع الفرنسي في شمال إفريقيا وأساليب الاستعمار السياسي.
- أن تحدد على خريطة الوطن العربي مناطق التوسع الاستعماري.
- أن تحلل العوامل التي ساعدت إنجلترا على فرض سيطرتها على الخليج العربي.
- أن تبدي رأيك في السياسة الفرنسية في المغرب العربي.
- أن تستدل على دور مصر الرائد في استقلال شعوب شمال إفريقيا.
شرح الدرس
| الإقليم | المستعمِر | بداية الاستعمار | الاستقلال |
|---|---|---|---|
| الخليج وجنوب الجزيرة العربية | بريطانيا | 1820 – 1899 | — |
| الجزائر | فرنسا | 1830 | 1962 (اتفاقيات إيفيان) |
| تونس | فرنسا | 1881 | مارس 1956 |
| المغرب | فرنسا (والريف لإسبانيا) | 1912 (الحماية) | 1956 |
| ليبيا | إيطاليا | 1911 | 1951 |
أولًا: الخليج وجنوب الجزيرة العربية (1820 – 1899) — بريطانيا
لفتت الحملة الفرنسية على مصر والشام أنظار إنجلترا إلى أهمية مصر والمشرق العربي، وكانت الهند أهم المستعمرات الإنجليزية آنذاك، فتحركت لتأمين الطريق إليها:
- معاهدة سلطان عمان (أكتوبر 1798): تعهد السلطان بعدم السماح بإنشاء وكالة فرنسية أو هولندية في بلاده وطرد جميع رعايا فرنسا منها، مع وجود حامية عسكرية بريطانية.
- احتلال جزيرة بريم عند باب المندب (مايو 1799) لقطع الطريق على الفرنسيين إذا فكروا في المرور من البحر الأحمر إلى الهند. وبعد خروج الفرنسيين من مصر (1801) تركتها إنجلترا وعقدت اتفاقية مع سلطان لحج وعدن (1802) تقضي ببقاء حامية بريطانية لتأمين الطريق إلى الهند.
- خطر محمد علي: فوجئت إنجلترا التي تراقب الملاحة في المحيط الهندي وبحر العرب بظهور محمد علي والي مصر على رأس الخليج من جهة الشمال بعد أن قضى على الدولة السعودية الأولى (1818)، فشكّت في مشروعات له للتوسع في الخليج تهدد مصالحها. فأقدمت على تدعيم نفوذها على كل إمارات الخليج تحسبًا لما قد ينتج من وجود محمد علي هناك، وفرضت في يناير 1820 اتفاقيات على شيوخ إماراتها باسم معاهدة الصلح العامة نصت على تحريم القرصنة وتحريم تجارة الرقيق التي كانت تقوم بها سلطنة عمان. وتجددت المعاهدة على مدى السنوات التالية بما سمح في النهاية بقيام بريطانيا بدور التحكيم في المنازعات التي تحدث بين الشيوخ.
- وأخذت الاتفاقيات شكل الحماية البريطانية للمنطقة، وأهمها اتفاقية حماية مع سلطان مسقط (1891) ومع أمير الكويت (1899).
- وفي 1837 وصل محمد علي إلى اليمن باسم السلطان العثماني، فخشيت بريطانيا من وجوده وأسرعت باحتلال عدن (يناير 1839) وعُقدت اتفاقية بين الطرفين تعهد فيها سلطان لحج بتأمين الطرق ومراقبة أتباعه ومنعهم من مقاومة الإنجليز.
ثانيًا: استعمار فرنسا للجزائر (1830)
الأسباب والذريعة: كانت فرنسا تحتفظ بعلاقات طيبة مع الجزائر لأنها كانت تستورد القمح منها بسبب الحصار الاقتصادي الذي فرضته بريطانيا على فرنسا في أثناء معارك الثورة الفرنسية ضد ممالك أوروبا. ولم تكن فرنسا تدفع ثمنه فورًا بل تأخذه على سبيل الاقتراض، وصارت مدينة للجزائر بمبالغ كبيرة.
- بدأ حكام الجزائر يطالبون فرنسا بالسداد ابتداءً من 1800 لكنها كانت تماطل. ثم ألفت لجنة مالية في باريس خفضت الديون من 24 مليون فرنك إلى سبعة ملايين فقط، وأُبلغ حاكم الجزائر (أغسطس 1826) بأن إجراءات السداد ستأخذ وقتًا طويلًا.
- وفي تلك الأثناء حدثت اشتباكات بين السفن الجزائرية وسفن بابا روما في المتوسط في إطار أعمال القرصنة المتبادلة بين شعوب شاطئي البحر، فاغتنمت فرنسا الفرصة للمماطلة، بل وطالبت الجزائر بالتعويض عن سفن البابا.
- حاصرت فرنسا شاطئ الجزائر بسفن حربية واستمر الحصار أكثر من سنتين (1827 – أوائل 1830) وطالبت الجزائريين بالتوقف عن القرصنة وإعادة ما أخذ من سفن البابا والاعتراف لفرنسا بحق الدولة الأولى بالرعاية، والتنازل عن الديون. فرفض الحاكم، فأصدرت الحكومة الفرنسية أوامرها للأسطول بـاحتلال البلاد وتم ذلك في يونيو 1830 بعد مقاومة شديدة، ولم تتحرك الدولة العثمانية لنصرة الجزائر.
كفاح الأمير عبد القادر الجزائري: بعد سنوات نظم الأمير عبد القادر المقاومة وشكل إدارة لعاصمته (بسكرة)، واضطر الفرنسيون إلى التفاهم معه، فعقدوا اتفاقية «دي ميشيل» (1834) اعترفوا فيها بالأمير حاكمًا على وسط وغرب الجزائر. لكنهم أعادوا تنظيم أنفسهم وشنوا الهجمات على المقاومة دون نتيجة فاختاروا معاهدة «التفنة» (1835)، ثم لم يلبثوا أن نقضوها باحتلالهم قسنطينة (1837). ولأن دعم سلطان مراكش (المغرب) للمقاومة كان عاملًا أساسيًّا في صمودها قصفت فرنسا طنجة بشدة، فلم يستمر المغرب في دعم المقاومة، وحُرم الأمير من استخدام الأراضي المراكشية، وكان ذلك مع تفوق السلاح الفرنسي سببًا في ضعف المقاومة، فاضطر الأمير في نهاية الأمر إلى الاستسلام في 1847، ونفي إلى الشام.
سياسة فرنسا في الجزائر: لم تلبث أن قامت ثورات متعددة أخمدها الفرنسيون واستمروا في استغلال البلاد: فقاموا بمصادرة الأراضي ومنح الضياع للفرنسيين، واستولت شركاتهم الاستثمارية على مساحات واسعة لزراعة الكروم لإنتاج الخمور، واستغلوا مناجم الحديد والفوسفات والنحاس والزنك، وأنشأوا المصانع ومدوا خطوط السكك الحديدية، فجعلوا الجزائر موردًا هامًّا للخزانة الفرنسية. وشجعت السلطات الفرنسية هجرة الفرنسيين اليهود وغيرهم من الأوروبيين إلى الجزائر ومنحتهم الجنسية الفرنسية، وكان الفرنسيون يصادرون الأراضي من أصحابها لصالح المستوطنين الذين تمتعوا بالمواطنة الفرنسية الكاملة، بينما كان المسلمون يعاملون بالكاد معاملة مواطن من الدرجة الثانية.
كفاح الشعب الجزائري بعد الحرب العالمية الأولى:
- سعى بعض الزعماء مثل الأمير خالد بن الأمير عبد القادر إلى الإفادة من المبادئ الأربعة عشر للرئيس ولسن وخاصة مبدأ حق تقرير المصير، لكن محاولته فشلت مثلما فشلت مثيلاتها في مصر وتونس.
- كانت السياسة الاستيطانية والثقافية التي مارستها فرنسا تستهدف القضاء على الشخصية الجزائرية العربية الإسلامية، فظهرت حركة وطنية إسلامية للحفاظ على هويتها هي «جماعة علماء الجزائر» (1926) وزعماؤها عبد الحميد بن باديس (خريج جامعة الزيتونة) والشيخ البشير الإبراهيمي (تأثر بالإمام محمد عبده والشيخ رشيد رضا).
- دعا تيار من المثقفين على الطريقة الفرنسية إلى الاندماج أي أن تكون الجزائر قطعة من فرنسا، لكن دون أن يمارس الجزائريون حقوقًا مساوية لحقوق الفرنسيين، وكان من دعاة الاندماج عباس فرحات.
- وظهر تيار تحرري بزعامة مصالي الحاج شكل جماعة «نجمة شمال إفريقيا» بهدف المطالبة باستقلال الجزائر.
- وبعد الحرب العالمية الثانية نما تيار يدعو إلى أن الاستقلال لا يتحقق إلا بالثورة، وتصاعدت هذه المشاعر في أعقاب نجاح ثورة يوليو 1952 في مصر، وتزعمها تيار القومية العربية وحركة تحرير البلاد العربية من الاستعمار.
موقف مصر من الثورة الجزائرية: عندما أُعلنت الثورة الجزائرية من القاهرة في نوفمبر 1954 واستمرت نحو ثماني سنوات، كانت مصر الدولة الرئيسة التي وقفت تدعمها بالمال والسلاح وبإمكانات مصر الإعلامية. ولا غرو أن بلغ الأمر بحكومة «جي موليه» في فرنسا أن تقرر أنه لا انتصار على الثورة الجزائرية إلا بإخراج مصر من معركة استقلال الجزائر، فكان أن شاركت في العدوان الثلاثي على مصر (أكتوبر 1956). وطرحت فرنسا مشروع اتحاد فيدرالي بين فرنسا والجزائر 1957، وخلال ذلك كانت مصر تدعمها والدول العربية — والعديد من الدول الأخرى — تقوم بنشاط واسع النطاق في المؤتمرات الدولية والأمم المتحدة مدافعة عن حق الجزائر في الاستقلال حتى نجحت في استصدار قرار من الجمعية العامة بحق الجزائر في الاستقلال سنة 1960.
استقلال الجزائر: اهتزت الحكومة الفرنسية أمام الانتصارات الدبلوماسية وصلابة المقاومة الجزائرية، فسقطت الجمهورية الرابعة وتولى شارل ديجول الحكم بأمل إنقاذ فرنسا من عثرتها مع الحفاظ على جزء من الجزائر، وفي 1959 وضع الأمر على ثلاثة وجوه: (1) الاندماج في فرنسا، (2) الاستقلال مع الارتباط بفرنسا، (3) الاستقلال التام. فأدى ذلك إلى ثورة المستوطنين على حكم ديجول وساندهم عدد من الضباط الفرنسيين المتطرفين وشكلوا «منظمة الجيش السري» المسؤولة عن إبادة آلاف من المسلمين العزل، وصمد ديجول كما صمد الجزائريون، ونجحت المفاوضات فاتفق على وقف إطلاق النار وأدت إلى عقد اتفاقيات إيفيان 1962، وحصلت الجزائر على استقلالها.
ثالثًا: استعمار فرنسا لتونس (1881)
كان الاستيلاء على الجزائر جزءًا من مشروع فرنسي كبير لتكوين إمبراطورية فرنسية في شمال إفريقيا، ولم تكن الأسرة القرمنلية في طرابلس ولا بايات تونس على مقدرة للتصدي للاستعمار الفرنسي، كما أن الدولة العثمانية اتخذت مواقف سلبية من الاستعمار الفرنسي للجزائر حتى رأت أن الأطماع الفرنسية تنطلق إلى ما وراء ذلك، فعملت على إنقاذ تونس وطرابلس باستعادة الحكم المباشر عليهما. ونجح السلطان في 1835 في طرد الأسرة القرمنلية من طرابلس وحكم البلاد حكمًا مباشرًا، وبعث في 1836 بقطع بحرية حربية إلى تونس، إلا أن فرنسا اعترضت مدعية أن لتونس كيانًا مستقلًا فلا يحق للسلطان التدخل في شؤونها، وما كان ذلك إلا تمهيدًا لانفراد فرنسا بتونس. وما كان ذلك بهين على فرنسا لأن تونس كانت محط أطماع دول كبرى أخرى مثل إنجلترا وإيطاليا (التي توحدت بين 1859 و1870).
وكان من مظاهر التنافس تسابق الدول الثلاث على كسب الأعوان داخل الإدارة العليا التونسية والحصول على أكبر قدر من الاستثمارات. وكانت الإدارة العليا في تونس متحمسة للتعاون مع الدول الكبرى لتحديث البلاد سياسيًّا واقتصاديًّا وثقافيًّا وعسكريًّا، فأصدر الباي محمد «عهد الأمان» (1855 – 1859) وبمقتضاه تساوى المواطنون أمام القانون، وأصدر الباي محمد الصادق دستورًا في 1861. ونفذت مشروعات لمد السكك الحديدية والبرق والموانئ على يد شركات فرنسية وإنجليزية، وكانت كلما حصلت إحدى الدول على امتياز حصلت الدول الكبرى الأخرى على مثله، وحصلت فرنسا وإنجلترا وإيطاليا على حق امتلاك الأراضي في تونس. ومثلما حدث في مصر دفعت تونس إلى شرك القروض الأجنبية حتى أفلست.
اختلال التوازن الدولي وصفقات التقسيم: هزمت روسيا الدولة العثمانية في 1878 وفرضت عليها معاهدة «سان ستيفانو» التي أدت إلى ظهور دولة بلغارية أكبر من اللازم (مخلب قط لروسيا)، فأصبحت أوروبا على شفا حرب كبرى، فدعا بسمارك (مستشار ألمانيا) الدول الكبرى إلى مؤتمر برلين (1878) على حساب «الرجل المريض» (الدولة العثمانية). وخلال المؤتمر اقتنصت إنجلترا قبرص من الدولة العثمانية في مقابل وعد بالدفاع عنها، فلما استشاطت فرنسا غضبًا من «الغدر البريطاني» وافقتها إنجلترا على الانفراد بتونس، بينما خرجت إيطاليا غاضبة فانضمت في 1882 إلى التحالف بين ألمانيا والنمسا والمجر ضد فرنسا. عمل الفرنسيون على تسخير تونس لخدمة مصالحهم بل سعوا إلى مسح الشخصية العربية الإسلامية، لكن هذه الشخصية تصدت لهم وتعلقت بالدعوة إلى الجامعة الإسلامية التي أطلقها جمال الدين الأفغاني وتبناها السلطان العثماني عبد الحميد الثاني، وتشكلت أحزاب وطنية للنضال والمطالبة بالاستقلال.
كفاح تونس حتى الاستقلال: حاول زعماء الحركة الوطنية عرض قضية تونس على مؤتمر الصلح استنادًا إلى حق تقرير المصير فلقوا مثل ما لقيه الوفد المصري من رفض للاستماع. وفي فترة ما بين الحربين تميزت زعامة الحبيب بورقيبة بالجمع بين الثقافتين العربية والفرنسية في تحريك الجماهير، لكن هزيمة فرنسا في بداية الحرب العالمية الثانية أسهمت في ضعف موقفها إزاء الحركات الوطنية، ولذلك واجهت فرنسا ضجة عالمية في أعقاب قيامها بالقبض على الزعماء الوطنيين المجتمعين في مؤتمر وطني في 1946، وعُرضت القضية التونسية على الأمم المتحدة في 1952، واضطرت فرنسا تحت ضغط الكفاح الوطني التونسي والدعم العربي والعالمي إلى إعلان موافقتها على استقلال تونس في مارس 1956، ولكن ظلت محتفظة بقاعدة بنزرت البحرية حتى أخلتها نهائيًّا في 1963.
رابعًا: الحماية الفرنسية على مراكش (المغرب) 1912
كانت مراكش منذ مطلع التاريخ الحديث في مواجهة مباشرة مع الدول الأوروبية الاستعمارية وخاصة البرتغال وإسبانيا، وخاضت معركة مصيرية ضدهما في وادي المخازن (1578) وأحرز المنصور السعدي انتصارًا أنقذ به شمال إفريقيا، ولكن ظلت سبتة ومليلة تحت السيطرة الإسبانية. ودقت الحضارة الأوروبية أبواب مراكش وفرضت فرنسا على سلطان المغرب في 1767 معاهدة الامتيازات ومثلها فعلت الدول الكبرى الأخرى، وعندما اتجهت مراكش إلى التحديث قدمت فرنسا الخبرة وأدوات التحديث في المجالات المدنية والعسكرية، واستغلت حوادث كانت تقع على الحدود الجزائرية المغربية وفرضت سيطرتها على مناطق مهمة داخل الأراضي المراكشية عند كولومب بيشار وغيرها.
المساومات الاستعمارية لاحتلال مراكش: أخذت فرنسا تمهد لقبول الدول الكبرى لانفرادها بمراكش:
- إيطاليا كانت أكثر الدول معارضة لفرنسا من جراء المسألة التونسية، فعقدت فرنسا صفقة معها في 1902 تنفرد فرنسا بموجبها بمراكش مقابل انفراد إيطاليا بـليبيا (طرابلس – برقة).
- وفعلت فرنسا الشيء نفسه مع إنجلترا بعقد الوفاق الودي في 1904، وكذلك مع إسبانيا التي حصلت على منطقة الريف.
- أثارت هذه الصفقات ألمانيا، فأعلن القيصر وليم الثاني معارضته وأعلن مساندته لاستقلال مراكش وطالب بعقد مؤتمر دولي، فعُقد مؤتمر الجزيرة (1906)، لكن تبين أن إنجلترا وقفت بصلابة بجوار فرنسا بينما لم يكن موقف النمسا مثل ألمانيا فوجدت ألمانيا نفسها وحيدة معزولة، وخرجت فرنسا من المؤتمر قوية واجتاحت قواتها البلاد في 1907، وعُزل السلطان عبد العزيز في 1908 وخلفه مولاي عبد الحفيظ.
- حاولت ألمانيا مرة أخرى فأرسلت قطعة بحرية إلى أغادير في 1911، لكنها واجهت موقفًا صلبًا من دولتي الوفاق فاكتفت بتنازل فرنسا لها عن قطعة صغيرة من الكونغو الفرنسي، وبذلك تمكنت فرنسا من إعلان «الحماية على مراكش في 1912»، ووطدت إسبانيا سيطرتها على «الريف» وعلى «الصحراء الإسبانية». أما طنجة فقد اتفقت الدول الكبرى على أن توضع تحت «إدارة دولية»، وكانت إنجلترا ضد انفراد دولة كبرى بطنجة حماية لمستعمراتها في جبل طارق.
كفاح الشعب المغربي حتى الاستقلال: أخذت المقاومة الوطنية في الريف (الأسباني) شكلًا عسكريًّا عنيفًا بقيادة الأمير محمد عبد الكريم الخطابي في الفترة 1922 – 1926، ولكن الدولتين الاستعماريتين فرنسا وإسبانيا تحالفتا ضد الأمير حتى هزم واستسلم. وعملت فرنسا في المغرب على الإيقاع بين العرب والبربر (مثلما حاولت إنجلترا الإيقاع بين المسلمين والأقباط في مصر)، وقد تحركت القوى الوطنية (كتلة العمل الوطني والحزب الوطني) للضغط على السلطات الفرنسية. وكان وقوف السلطان محمد الخامس إلى جانب الحلفاء خلال الحرب العالمية الثانية، وتصاعد الحركة الوطنية رغم تخلي دول الحلفاء عن السلطان من العوامل التي هزت الوجود الفرنسي، خاصة بعد انتقال علال الفاسي (الزعيم الوطني المغربي) إلى القاهرة وانضمامه إلى «لجنة تحرير المغرب». فلما عزلوا محمد الخامس في أغسطس 1953 ونفوه، نشطت حركة المقاومة مطالبة بعودته وخروج الفرنسيين نهائيًّا، وأصيب الفرنسيون بخيبة أمل كبيرة عندما فشلوا في الإيقاع بين البربر والعرب حين أعلن زعيم البربر «الجلاوي» انضمامه إلى الحركة الوطنية مطالبًا بعودة السلطان محمد الخامس. وفعلًا عاد السلطان إلى عرشه في 1955، واضطرت فرنسا إلى إلغاء الحماية في مارس 1956، كما ألغت إسبانيا الحماية على منطقة الريف وألغي النظام الدولي لمنطقة طنجة، وتحقق استقلال المغرب 1956.
ولم تبق إلا موريتانيا وجيبوتي في قبضة الفرنسيين؛ وقد حصلت الأولى على استقلالها في 1960 والثانية في 1977. (وكان الفرنسيون قد انطلقوا من منطقة نهر السنغال شمالًا وجعلوا من النهر فاصلًا بين السنغال وموريتانيا في 1829، ثم ضغطوا على إمارتي التيرارزة والبراكنة ووضعوهما تحت الحماية الفرنسية 1902 وأخضعوا إمارة أدرار، ومدوا سيطرتهم إلى تشاد، فأصبحت لفرنسا إمبراطورية مترامية الأطراف في شمال وغرب ووسط إفريقيا).
خامسًا: الاستعمار الإيطالي في ليبيا (1911)
كان التوسع الفرنسي في شمال إفريقيا — وخاصة منذ مؤتمر برلين 1878 — يثير قلق الدول الكبرى خاصة إيطاليا التي كانت تطمع في المنطقة. وبعد أن استكملت وحدتها سعت إيطاليا إلى بناء إمبراطورية استعمارية فبدأت بشرق إفريقيا فأقامت مستعمرتين: واحدة في أريتريا والثانية في الصومال وساعدها على ذلك وقوع مصر تحت الاحتلال البريطاني وانسحابها من تلك الجهات. فلما سبقت فرنسا إلى استعمار تونس ردت إيطاليا بالانضمام في 1882 إلى الحلف الألماني النمساوي المعادي لفرنسا، وفي 1887 عقدت معاهدة ضمت إيطاليا وألمانيا والنمسا وبريطانيا وإسبانيا موجهة ضد أي توسع فرنسي جديد في ليبيا (طرابلس) أو مراكش.
وتركز جهد إيطاليا نحو ليبيا لأنها كانت تفتقر إلى المغريات الاستعمارية إلا أن إيطاليا كانت ترى في سيطرتها عليها ترضية مؤقتة لها تحفظ كرامتها الدولية، ولأن طرابلس أصبحت المنطقة غير المستعمرة المتبقية من شمال إفريقيا التي تطل على إيطاليا وتكاد تلامسه في بعض المواقع، ثم إن ليبيا يمكن أن تشكل مستقبلًا رأس حربة لتوسعات إيطالية في المستقبل.
- حصلت إيطاليا على موافقة الدول الكبرى واحدة بعد الأخرى على انفرادها بليبيا: بريطانيا وإسبانيا، وعقدت صفقة مع روسيا تقضي بعدم معارضة إيطاليا لروسيا في التحكم في المضايق التركية (الدردنيل والبوسفور)، وصفقة 1902 مع فرنسا (مراكش مقابل ليبيا).
- وبدأت إيطاليا تتغلغل اقتصاديًّا وأسست هناك «بنكو دي روما» وزادت من نشاط بعثاتها التبشيرية الكاثوليكية وأقامت المدارس الإيطالية الحديثة، حتى إذا ما وجدت فرصة لإعلان الحرب على الدولة العثمانية في 1911 كان لدى الإيطاليين العديد من المشروعات في ليبيا يتحدثون عن حقهم في حمايتها.
أسباب فشل تركيا في الدفاع عن ليبيا: وجهت إيطاليا لتركيا إنذارًا في سبتمبر 1911 وأنزلت قواتها على الساحل في وجه مقاومة عثمانية ضعيفة، لأن الحكومة العثمانية كانت قد سحبت جزءًا من قواتها في ليبيا وأرسلته إلى اليمن لقتال إمامها. وعندما حاولت الدولة العثمانية إقناع الإنجليز بعبور قواتها مصر إلى ليبيا رفض الإنجليز ذلك، وكان من العسير جدًّا على العثمانيين إرسال قواتهم بطريق البحر لأن الأسطول الإيطالي كان يحاصر طرابلس، ولأن الأسطول الإيطالي كان يضغط بشدة على جزر الدوديكانيز التابعة للدولة العثمانية. وكان تفوق الإيطاليين بحريًّا وبريًّا من العوامل الرئيسة التي أدت إلى سقوط المدن الساحلية الكبرى الواحدة بعد الأخرى (طرابلس ودرنة وبنغازي)، وقد قاومت العشائر العربية الغزاة ولكن ما كان باستطاعتهم ماديًّا أو عسكريًّا الصمود.
معلومة إثرائية: تم التنسيق بين قيادات الدولة العثمانية والقيادات السنوسية بحيث تصبح القوات الإنجليزية في مصر مضطرة للقتال على جبهتين (جبهة قناة السويس وجبهة الحدود المصرية الغربية)، وكانت القوات الإيطالية مشغولة بتطورات القتال في الجبهات الأوروبية، وفعلًا شنت القوات السنوسية هجومًا عبر الحدود المصرية العربية، ولكن تخلف معدات السنوسيين الحربية أدى إلى هزيمتهم أمام القوات البريطانية.
استقلال ليبيا: كان الغزو الإيطالي قد وضع معظم الساحل تحت السيطرة المباشرة بينما كانت السنوسية تتمتع بنفوذ قوي في المناطق الداخلية وخاصة في إقليم برقة. وفي أعقاب دخول الدولة العثمانية الحرب العالمية الأولى تصاعدت الحركة الوطنية في ليبيا وأخذت المناطق الليبية تعمل للتخلص من السيطرة الإيطالية، حتى لقد بايع عرب ليبيا محمد إدريس السنوسي أميرًا على برقة وطرابلس عام 1922. وتزامن ذلك مع تصاعد قوة الفاشست بزعامة موسوليني وأعلن أنه يسعى إلى إحياء الإمبراطورية الرومانية وأن البحر المتوسط ما هو إلا بحر إيطالي، وأنه لا يرى في ليبيا إلا جزءًا لا يتجزأ من الأراضي الإيطالية، وشرع في شن هجمات بكافة الأسلحة ضد المقاومة الوطنية بزعامة المجاهد عمر المختار، وكان للمذابح والمحاكمات وأحكام الإعدام المتتالية والبطش الذي مارسه القائد الإيطالي جرازياني إلى جانب التفوق العسكري الساحق ومحاولات الدول الكبرى كسب صداقة الإيطاليين على حساب حرية الشعوب، كل هذا كان من العوامل التي أدت إلى هزيمة المقاومة الوطنية وسقوط عمر المختار أسيرًا ليعدمه الإيطاليون شنقًا علنيًّا أمام بني بلدته في 1931، مثلما حدث لفلاحي دنشواي من قبل في مصر.
وعلى كل حال أصبحت إيطاليا في ليبيا وإريتريا والصومال خطرًا محدقًا بوادي النيل خاصة بعد سقوط الحبشة في يد إيطاليا في 1935 – 1936، ولم تلبث أن وقعت الحرب العالمية الثانية، واتخذت إيطاليا من ليبيا قاعدة لغزو مصر. لكن هزيمة دولتي المحور (إيطاليا وألمانيا) في الحرب العالمية الثانية أدت إلى تحرير ليبيا من إيطاليا، وأدى موقف مصر الصلب بجوار الحركة الوطنية الليبية إلى إبعاد الإنجليز والفرنسيين عن ليبيا، وإلى الحيلولة دون تفكيك ليبيا إلى عدة أجزاء، وإلى حصول ليبيا على الاستقلال في 1951.
أمثلة وتطبيقات
قارن بين أسلوب بريطانيا وفرنسا في الاستعمار:
| وجه المقارنة | بريطانيا (الخليج والجزيرة) | فرنسا (الجزائر وتونس والمغرب) |
|---|---|---|
| الهدف | تأمين الطريق إلى الهند | إنشاء إمبراطورية في شمال إفريقيا |
| الأسلوب | معاهدات وحماية وتحكيم بين الشيوخ | حصار ثم احتلال (الجزائر)، ثم تمهيد بصفقات دولية (تونس والمغرب) |
| السكان | الإبقاء على الحكام المحليين | الاستيطان ومصادرة الأرض ومحاولة مسخ الهوية |
استنتج: لماذا لجأت فرنسا في تونس والمغرب إلى الصفقات بين الدول الكبرى؟ لأن هذه الأراضي كانت محط أطماع إنجلترا وإيطاليا وألمانيا، فمهدت لقبول الدول الكبرى بانفرادها بتعويضها بمكاسب في أماكن أخرى (قبرص لبريطانيا، وليبيا لإيطاليا، والريف لإسبانيا، وجزء من الكونغو لألمانيا).
ملاحظات مهمة
- اتفاقية دي ميشيل (1834) ثم التفنة (1835) مع الأمير عبد القادر؛ ثم استسلامه 1847.
- لا تخلط بين مؤتمر برلين (1878) ومؤتمر الجزيرة (1906): الأول مهّد لانفراد فرنسا بتونس، والثاني خاص بمراكش.
- المبدأ: الصفقات الاستعمارية — كل دولة تطلق يد الأخرى في إقليم مقابل مكسب آخر (مراكش مقابل ليبيا، مراكش مقابل مصر).
- أول المستقلين: ليبيا 1951، ثم تونس والمغرب 1956، ثم موريتانيا 1960، ثم الجزائر 1962، ثم جيبوتي 1977.
- دور مصر: دعمت الثورة الجزائرية بالمال والسلاح والإعلام (1954 – 1962)، وساندت الحركة الوطنية الليبية فمنعت تفكيك ليبيا، واحتضنت القاهرة علال الفاسي ولجنة تحرير المغرب.
المفاهيم الأساسية
- الحماية: وضع تفرض فيه دولة كبرى سيطرتها على دولة أخرى مع إبقاء حاكمها شكليًّا.
- الدولة الأولى بالرعاية: معاملة تفضيلية في التجارة طالبت بها فرنسا من الجزائر.
- المستوطنون: أوروبيون هاجروا إلى الجزائر ومنحوا الجنسية الفرنسية وصودرت أراضي الجزائريين لهم.
- الاندماج: دعوة إلى أن تكون الجزائر جزءًا من فرنسا.
- الرجل المريض: وصف أطلقته أوروبا على الدولة العثمانية.
- الوفاق الودي 1904: اتفاق إنجلترا وفرنسا الذي أطلق يد فرنسا في مراكش.
- جماعة علماء الجزائر (1926): حركة إسلامية للحفاظ على الهوية.
ملخص الدرس
سعت بريطانيا إلى تأمين طريق الهند فأبرمت معاهدات مع عمان واحتلت بريم وعدن وفرضت معاهدة الصلح العامة 1820 على إمارات الخليج وحماية على مسقط 1891 والكويت 1899. واحتلت فرنسا الجزائر 1830 بعد أزمة ديون القمح وحصار دام أكثر من سنتين، وقاومها الأمير عبد القادر حتى 1847، وسعت لمسخ هويتها بالمستوطنين، وفي 1954 أُعلنت الثورة من القاهرة ودعمتها مصر، فاستقلت الجزائر 1962 باتفاقيات إيفيان. وانفردت فرنسا بتونس 1881 بعد مؤتمر برلين ومنحت بريطانيا قبرص، واستقلت 1956. وفرضت الحماية على المغرب 1912 بعد صفقات مع إيطاليا وبريطانيا وإسبانيا ومؤتمر الجزيرة، واستقل 1956 بعد عزل محمد الخامس 1953 وعودته 1955. وغزت إيطاليا ليبيا 1911، وقاومها السنوسيون وعمر المختار الذي أُعدم 1931، واستقلت ليبيا 1951.
أسئلة للتدريب
- فسّر لماذا ازدادت أهمية مصر والخليج وجنوب الجزيرة العربية في نظر بريطانيا بعد الحملة الفرنسية.
- ما الإجراءات التي اتخذتها بريطانيا لتدعيم نفوذها في الخليج وكيف أثّر ظهور محمد علي عليها؟
- اذكر أسباب احتلال فرنسا للجزائر وكيف تدرجت حتى احتلتها في يونيو 1830.
- بيّن سياسة فرنسا الاستيطانية والثقافية في الجزائر، وما تيارات المقاومة الجزائرية بعد الحرب العالمية الأولى؟
- وضّح دور مصر في استقلال الجزائر وليبيا والمغرب.
- لماذا أُبرمت صفقات المساومات الاستعمارية لاحتلال تونس ومراكش؟ ومن المستفيدون منها؟
- اذكر أسباب فشل الدولة العثمانية في الدفاع عن ليبيا، وكيف قاوم الليبيون الإيطاليين؟