التاريخ · الصف الثالث الثانوي
الحملة الفرنسية على مصر والشام
أسباب الحملة الفرنسية على مصر 1798، وحال المجتمع المصري قبلها، ومراحل المقاومة من الإسكندرية وإمبابة وأبي قير إلى ثورتي القاهرة، ومعاهدة العريش ومقتل كليبر وجلاء الفرنسيين 1801، وآثارها السياسية والاقتصادية والفكرية.
آخر تحديث: · كيف نراجع المحتوى
مقدمة
- الشعبة: أدبي فقط (كتاب سنوي موحّد)
- الفصل: الأول من كتاب تاريخ مصر والعرب الحديث
في صيف 1798 ظهرت سفن فرنسية أمام الإسكندرية، وبدأت مرحلة جديدة في تاريخ مصر. لم تكن الحملة غزوًا عسكريًا فقط؛ فقد جاء معها علماء وفنانون ومطبعة، وأقامت إدارة جديدة، وأثارت مقاومة شعبية قادها الأزهر. وفي هذا الفصل تعرف لماذا جاءت الحملة، وكيف كانت حال مصر قبلها، وكيف قاومها المصريون، ثم ماذا تركت من آثار.
أهداف التعلم
- أن تحدد العوامل التي أدت إلى قدوم الحملة الفرنسية على مصر 1798.
- أن تصف أحوال المجتمع المصري (الاقتصادية والاجتماعية والسياسية) قبل الحملة.
- أن ترتب أحداث الحملة ومراحل المقاومة ترتيبًا زمنيًا صحيحًا.
- أن توضح دور رجال الأزهر في قيادة المقاومة.
- أن تستنتج آثار الوجود الفرنسي السياسية والاقتصادية والفكرية.
شرح الدرس
أولًا: لماذا جاءت الحملة الفرنسية؟
بدأ التنافس الاستعماري بين إنجلترا وفرنسا في القرن السابع عشر واستمر طوال القرن الثامن عشر. وبعد قيام الثورة الفرنسية في 14 يوليو 1789 أدركت ملوك أوروبا خطرها فتحالفوا ضد فرنسا، وكانت إنجلترا عنصرًا مهمًّا في هذا التحالف، لكن فرنسا انتصرت على هذه التحالفات. أرادت فرنسا ضرب إنجلترا لكن تفوق الأسطول الإنجليزي حال دون مهاجمتها في بلادها؛ ففكر نابليون بونابرت في توجيه الضربة إلى مصالح إنجلترا خارج أراضيها بغزو مصر. وتتلخص الأسباب في:
- تسهيل مرور تجارة فرنسا إلى الشرق عن طريق مصر بدلًا من طريق رأس الرجاء الصالح الذي يسيطر عليه الأسطول الإنجليزي.
- تقويض الإمبراطورية البريطانية في الشرق.
- رغبة فرنسا في إنشاء مستعمرة فرنسية في الشرق.
وكانت هذه الرغبة قديمة؛ فقد تكررت محاولات فرنسا انتزاع مصر من الدولة العثمانية، ومنها محاولة في عهد لويس السادس عشر لتسهيل تجارتها مع شرق آسيا عن طريق مصر، وكانت الحملة المحاولة الرابعة والأخيرة، بعد قيام الثورة الفرنسية وبهدف تأمين تجارة فرنسا من خطر المماليك.
ثانيًا: حال المجتمع المصري قبل الحملة
| الجانب | أبرز ملامحه |
|---|---|
| الزراعة | الأرض ملك للدولة ممثلة في السلطان العثماني، يزرعها الفلاحون ويؤدون الضرائب (حق الانتفاع). وكان الملتزمون يجمعون الضرائب بنظام الالتزام، ويحصل الملتزم على قطعة أرض معفاة (الوسية)، وظلموا الفلاحين بفرض إتاوات إضافية، وأُهمل الري والجسور فتدهورت الزراعة |
| الصناعة | صناعات يدوية بسيطة لم تعرف الآلة، ويُنظَّم الصناع في طوائف لكل منها شيخ، وهمزة الوصل بين الطائفة والحكومة في جمع الضرائب والإشراف على الإنتاج |
| التجارة | خسرت مصر كثيرًا بتحول الطريق التجاري بين الشرق والغرب إلى رأس الرجاء الصالح، واقتصرت صلاتها على البحر المتوسط والسودان والحبشة وبلاد العرب واليمن. وأضر بها عدم استقرار الأمن واختلاف المكاييل والموازين وعدم ثبات العملة، وسيطر التجار الأجانب بفضل الامتيازات (تسهيلات تمنحها الدولة العثمانية للأجانب في مصر) |
| المجتمع | الحكام (الأتراك والبكوات المماليك) في عزلة عن بقية الفئات. والمحكومون: المشايخ والعلماء والتجار (شريحة وسطى) والفلاحون وصغار الحرفيين وعامة الناس. وانتشر الجهل والخرافات ولم يبق من نور العلم إلا الأزهر |
| الحكم | ثلاث إدارات تراقب كل منها الأخرى: الوالي (نائب السلطان) والديوان (يراقب الوالي بل يعزله) والبكوات المماليك (يديرون الأقاليم) |
وبسبب قصر مدة حكم الوالي، وزيادة سلطة الديوان والحامية العسكرية مع ضعف الدولة العثمانية أواخر القرن 17، تطلع البكوات المماليك للانفراد بالحكم. فقد انتهز علي بك الكبير حروب الدولة العثمانية مع روسيا (1768) فعزل الوالي العثماني وامتنع عن دفع الخراج وضرب النقود باسمه وأخضع الحجاز، وأرسل نائبه محمد بك أبو الدهب لغزو الشام، فانحاز الأخير للسلطان واتفق معه ضد علي بك. وعادت مصر ولاية عثمانية تحت حكم أبي الدهب، ثم توالت صراعات المماليك التي أدت إلى تدهور الاقتصاد. وعندما وصلت الحملة كانت مصر تحت حكم ثنائي مملوكي: إبراهيم بك ومراد بك.
ثالثًا: نزول الحملة والمقاومة
أراد نابليون أن يجامل الدولة العثمانية ويجتذب المصريين، فأعلن في منشور يونيو 1798 أنه جاء لمحاربة المماليك الغرباء الذين يستنزفون ثروة مصر وأنه يحترم الإسلام ونبيه، وأنه يريد حكومة أهلية يشارك فيها المصريون. ونزلت الحملة في أوائل يوليو 1798 بينما كان المماليك منشغلين بنزاعاتهم الداخلية.
- مقاومة الإسكندرية: قاومها أهلها بزعامة السيد محمد كريم حاكم المدينة، فاعتقلته القوات الفرنسية وأعدمته رميًا بالرصاص في سبتمبر 1798.
- المماليك في شبراخيت وإمبابة: التقت قوات مراد بك بالفرنسيين قرب شبراخيت (البحيرة) فهُزم وتقهقر جنوبًا، ثم واجههم عند إمبابة وهُزم المماليك، ففر مراد بك إلى الصعيد وفر إبراهيم بك والوالي العثماني إلى الشام، ودخل نابليون القاهرة في يوليو 1798.
- موقعة أبي قير البحرية (أغسطس 1798): تمكن الأسطول الإنجليزي بقيادة نلسون من إغراق أسطول الحملة، فقُضي على آمال فرنسا في بسط سيطرتها على حوض المتوسط، وحُرمت الحملة من الإمدادات.
- مقاومة الصعيد: اتجه نابليون إلى الصعيد للقضاء على المماليك بقيادة مراد بك الذي رفض التسليم مقابل حكمه الصعيد تحت إشراف الفرنسيين، وفشل الفرنسيون في إخضاع الأهالي لطول الوادي وتعاون بعض المماليك مع أهل الصعيد وانضمام قوة من الجزيرة العربية واستخدام حرب المناوشات، واستمرت المقاومة نحو عشرة أشهر.
- ثورة القاهرة الأولى (أكتوبر 1798): قاد الأزهر لواء المقاومة، وقُتل الحاكم الفرنسي للمدينة، واشتعلت الثورة في الأقاليم المجاورة، واستخدم الفرنسيون القمع والإعدام ودخلوا الجامع الأزهر بخيولهم فأثاروا الشعور الديني.
- التحالف العثماني الإنجليزي الروسي: تحالفت الدولة العثمانية مع إنجلترا وروسيا لإخراج الفرنسيين بحملتين: برية من الشام وبحرية إلى الإسكندرية. فخرج نابليون إلى الشام (مارس 1799) لكنه فشل في اقتحام عكا لحصانتها واستبسال أهلها بقيادة أحمد باشا الجزار ومعاونة الأسطول الإنجليزي، فعاد إلى القاهرة. وعلم بنزول الأسطول العثماني في أبي قير (يوليو 1799) فهزمهم.
- رحيل نابليون ومعاهدة العريش: قرر نابليون العودة سرًّا إلى فرنسا (أغسطس 1799) تاركًا القيادة لنائبه كليبر، الذي أدرك استحالة بقاء الحملة فعرض على السلطان العثماني وقائد الأسطول الإنجليزي خروجها على نفقة الدولة العثمانية فيما عُرف بـمعاهدة العريش (يناير 1800). لكن إنجلترا رفضت الاتفاقية وأصرت على استسلام الفرنسيين، فاضطر كليبر لمهاجمة القوات العثمانية وطردها إلى الشام.
- ثورة القاهرة الثانية: هاجم المصريون معسكرات الفرنسيين، فأخمدوا الثورة في الوجه البحري، واتفقوا مع مراد بك على إخضاع الصعيد مقابل حكمه. واستطاع سليمان الحلبي (شاب سوري الأصل يدرس بالأزهر) أن يقتل كليبر في يونيو 1800 فتولى مينو قيادة الحملة.
رابعًا: جلاء الحملة عن مصر
أراد مينو أن يحوّل مصر إلى مستعمرة فرنسية كبرى فوضع خطة إصلاحية في الزراعة والصناعة والتجارة والصحة والقضاء. لكن إنجلترا أرسلت أسطولًا جديدًا إلى أبي قير (فبراير 1801) وانضم إليه الجيش العثماني وبعض زعماء المماليك، ونجحوا في دخول القاهرة، فاستسلمت الحملة الفرنسية وغادرت مصر في 18 سبتمبر 1801.
خامسًا: آثار الوجود الفرنسي في مصر (1798 – 1801)
1) الآثار السياسية: رأى نابليون أن الاتصال بطبقة العلماء والأعيان هو أفضل وسيلة لتخطيط سياسات الحكم، فأنشأ دواوين سلطتها مقيدة بالمصالح الفرنسية:
- ديوان القاهرة: من تسعة أعضاء من المشايخ والوجهاء، للتداول في أحوال العاصمة.
- دواوين الأقاليم: في كل مديرية ديوان من سبعة أعضاء للنظر في المصالح والشكاوى ومنع الشحناء بين القرى وجباية الأموال والضرائب.
- الديوان العام: سلطة مركزية عليا، يتشكل من أعضاء ديوان القاهرة ودواوين المديريات، بواقع تسعة مندوبين عن كل مديرية (3 من العلماء و3 من التجار و3 من مشايخ القرى ورؤساء العربان)، ويهدف إلى تدريب الأعيان على نظام مجالس الشورى. ورأسه الشيخ عبد الله الشرقاوي من علماء الأزهر بالاقتراع السري.
2) الآثار الاقتصادية والاجتماعية:
- الزراعة: درس علماء الحملة مجرى النيل والقنوات والجسور، وخُصص جزء من الأراضي العامة لإنتاج الغلال التي تحتاجها فرنسا، وجُربت زراعة البن وقصب السكر، وأُنشئت حديقة للنباتات المجلوبة (كالخوخ والمشمش والكمثرى والتفاح)، واهتمت الحملة بالأرز والقمح والذرة فانتعشت الزراعة.
- الصناعة: اقترح مينو مصانع لا تضم عمالًا مصريين حتى لا تتسرب أسرار الصناعة (النسيج والحدادة والساعات والدباغة وحروف الطباعة)، وأنشأ طواحين هواء وأصلح الترسانة في الجيزة التي أنشأها مراد بك.
- التجارة: ركدت في عهد نابليون وكليبر بسبب حصار الإنجليز للشواطئ، ثم اهتم مينو بإحيائها ففتح أسواقًا في بلاد البحر الأحمر (سفن بين جدة وينبع والسويس تحمل الأنسجة القطنية والشيلان الصوفية والحرير والبن) وأقام علاقات مع سنار ودارفور والسودان والحبشة وشمال إفريقيا.
- الصحة العامة: أُنشئت محاجر صحية في القاهرة والإسكندرية ودمياط ورشيد ومستشفى عسكري.
- القضاء: جعل نابليون العلماء المصريين يتولون القضاء بالانتخاب بدلًا من القضاة الأتراك وحدد رسوم التقاضي بنسبة 2% من قيمة المتنازع عليه. وفي عهد مينو رُفض مبدأ الدية وأُنشئت محكمة لكل طائفة (القبط والشوام والروم واليهود).
3) الآثار الفكرية والعلمية: جاء مع الحملة نحو 146 عالمًا وفنانًا (مصورون ورسامون وموسيقيون ونحاتون). وأقام نابليون المجمع العلمي المصري على غرار المجمع العلمي الفرنسي بباريس (وكان عضوًا فيه) لتقدم العلوم ودراسة المسائل الطبيعية والصناعية والتاريخية ونشرها وإبداء الرأي للحكومة، ويتألف من أربعة أقسام في كل منها اثنا عشر عضوًا: الرياضيات والطبيعيات والاقتصاد السياسي والآداب والفنون. ومن إنجازاته: مطبعة عربية وأخرى فرنسية، وجريدتان فرنسيتان (سياسية وعلمية اقتصادية)، وجريدة بالعربية أصدرها مينو لنشر الأوامر والقرارات.
وكان للمجمع العلمي نافذة أطل منها المصريون على تقدم أوروبا، فنبهت فكرة الدواوين المصريين إلى المشاركة في الحكم بدلًا من الحكم المطلق المستبد. ومن الأعمال الكبرى لعلماء الحملة: محاولة شق قناة تربط بين البحرين الأحمر والمتوسط (لم تنجح لخطأ في حسابات مستوى مياه البحرين)، وتأليف كتاب وصف مصر وهو أول موسوعة عنها، والعثور على حجر رشيد الذي مكّن شامبليون من قراءة الكتابة المصرية القديمة.
أمثلة وتطبيقات
| الحدث | التاريخ | النتيجة |
|---|---|---|
| منشور نابليون | يونيو 1798 | محاولة كسب المصريين |
| شبراخيت وإمبابة | يوليو 1798 | هزيمة المماليك ودخول القاهرة |
| أبو قير البحرية | أغسطس 1798 | إغراق الأسطول الفرنسي وقطع الإمدادات |
| ثورة القاهرة الأولى | أكتوبر 1798 | قمع الفرنسيين ودخولهم الأزهر |
| حملة الشام (عكا) | مارس 1799 | فشل نابليون |
| معاهدة العريش | يناير 1800 | رفضتها إنجلترا |
| مقتل كليبر | يونيو 1800 | تولي مينو |
| جلاء الفرنسيين | 18 سبتمبر 1801 | نهاية الحملة |
اربط الحدث بنتيجته: فشل نابليون في عكا ← عودته إلى القاهرة ← رحيله سرًّا ← سقوط الحملة تدريجيًّا.
ملاحظات مهمة
- لا تخلط بين ثورتي القاهرة (الأولى أكتوبر 1798 والثانية بعد معاهدة العريش) ولا بين أبي قير البحرية (أغسطس 1798) ونزول الأسطول العثماني في أبي قير (يوليو 1799).
- الدواوين كانت لتدريب الأعيان وكسب تأييدهم، وسلطتها مقيدة بمصالح الفرنسيين.
- أبرز ملحوظة اقتصادية: تدهور الاقتصاد قبل الحملة بسبب الالتزام وتحول طريق التجارة إلى رأس الرجاء الصالح.
- أسماء مهمة: مراد بك وإبراهيم بك (المماليك)، نلسون (الأسطول الإنجليزي)، أحمد باشا الجزار (عكا)، كليبر ومينو (قيادة الحملة)، سليمان الحلبي، عبد الله الشرقاوي.
المفاهيم الأساسية
- الالتزام: تكليف ملتزم بجمع ضرائب ناحية مقابل أرض معفاة (الوسية).
- الامتيازات: تسهيلات تمنحها الدولة العثمانية لرعايا الدول الأجنبية في مصر.
- الطوائف: تنظيمات الحرف، ولكل طائفة شيخ.
- الديوان العام: سلطة مركزية عليا في عهد الحملة تتكون من أعضاء ديوان القاهرة ودواوين المديريات.
- المجمع العلمي المصري: مؤسسة علمية أنشأها نابليون، من أربعة أقسام.
- حجر رشيد: حجر عُثر عليه في عهد الحملة وبه يمكن قراءة الكتابة المصرية القديمة.
ملخص الدرس
سعت فرنسا في 1798 إلى ضرب إنجلترا وتأمين طريق تجارتها إلى الشرق وإنشاء مستعمرة، فغزت مصر وكانت منهكة بالالتزام وتحول الطريق التجاري وصراع المماليك. قاومها المصريون في الإسكندرية والصعيد والقاهرة بقيادة الأزهر، وأغرق نلسون أسطولها في أبي قير 1798، وفشل نابليون في عكا 1799 فعاد وغادر سرًّا تاركًا كليبر الذي عُقدت في عهده معاهدة العريش 1800 ثم قُتل. وانتهت الحملة بجلاء الفرنسيين 18 سبتمبر 1801. وكان لها آثار سياسية (الدواوين) واقتصادية واجتماعية وفكرية (المجمع العلمي ووصف مصر وحجر رشيد).
أسئلة للتدريب
- اذكر ثلاثة أسباب لغزو فرنسا مصر.
- لماذا تدهورت التجارة المصرية قبل الحملة الفرنسية؟
- ما نتائج موقعة أبي قير البحرية على الحملة؟
- قارن بين ثورتي القاهرة الأولى والثانية.
- بيّن تشكيل الديوان العام ودوره.
- ما أهم إنجازات المجمع العلمي المصري؟