اللغة العربية · الصف الثالث الثانوي
مدرسة الديوان — نص: في رثاء مي (عباس محمود العقاد)
مدرسة الديوان: نشأتها وخصائصها وموقفها من الإحيائيين وأسباب انفراط عقدها، وتحليل مرثية العقاد «في رثاء مي».
آخر تحديث: · كيف نراجع المحتوى
مقدمة
- المادة: اللغة العربية — الأدب والنصوص: (ب) مدرسة الديوان
- الشعبة: مشترك (كل الشُعب)
- الصفحات: 53–61 من كتاب الطالب
بعد خليل مطران ذي الثقافة الفرنسية، جاء ثلاثة من الشعراء جمعت ثقافتهم بين التراث العربي والأدب الإنجليزي، تكوّنت منهم جماعة الديوان: عبد الرحمن شكري (1886–1958م) وعباس محمود العقاد (1889–1964م) وإبراهيم عبد القادر المازني (1889–1949م). وفي هذا الدرس تتعرف نشأتهم وخصائصهم وموقفهم من الإحيائيين، ثم تحلل مرثية العقاد في الأديبة مي زيادة.
أهداف التعلم
- أن تتعرف نشأة مدرسة الديوان وشعراءها وسبب تسميتها.
- أن تستنتج خصائصها وتوضح موقفها من الإحيائيين وأسباب انفراط عقدها.
- أن تحلل نص «في رثاء مي» وتستنتج بناءه الفني وأساليبه.
- أن تقارن بين مدرسة الديوان ومدرسة الإحياء والبعث.
شرح الدرس
أولًا: نشأة مدرسة الديوان
كان الشعراء الثلاثة يمثلون الشباب العربي في أوائل القرن العشرين الذي مرّ بأزمة خانقة فرضها الاستعمار الكئيب ناشرًا الفوضى والجهل والفقر ومحطمًا الشخصية العربية الإسلامية، ولم يجد الشباب مجالًا لنمو شخصيتهم الإنسانية بالتحرر من الاستعمار وتحمل المسؤولية. وحين تصادمت آمالهم مع الواقع الاستعماري هربوا من عالم الواقع المؤلم إلى عالم الأحلام والخيال، ولجأوا إلى الطبيعة يبثونها آمالهم الضائعة ويأسهم من الحياة ويتأملون الكون وأسرار الوجود.
جمع بينهم اعتزازهم بالثقافة العربية وتأثرهم بالرومانتيكية الإنجليزية، فاتجهوا في شعرهم إلى الذات الإنسانية وجنحوا إلى الخيال، واتفقوا مع مطران (المتأثر بالرومانسية الفرنسية) في الاتجاه الوجداني. وبدأوا منذ عام 1909م ينشرون آراءهم في مقالات الصحف ومقدمات الدواوين، ومنه ما قاله العقاد في مقدمة ديوان المازني الأول عام 1913م: إن فتية تبوّأوا منابر الأدب «يشعرون بشعور الشرقي ويتمثلون العالم كما يتمثله الغربي»، فنزعت أقلامهم إلى الاستقلال ورفع غشاوة الرياء والتحرر من القيود الصناعية. ويقصد بذلك أنهم يحتفظون بوجدان الشرقي وقيمه مع النظرة العصرية للعالم التي أخذوها من الثقافة الغربية.
ثانيًا: موقفهم من الإحيائيين
رأى الديوانيون أنهم يتطلعون إلى الأمام ويستلهمون ذواتهم وخيالاتهم وعواطفهم ويعبرون عن مأساة عصرهم، بينما الإحيائيون ينظرون إلى الخلف ويعيشون في ظلال القديم؛ فهاجموا الإحيائيين وفي مقدمتهم أحمد شوقي وحافظ إبراهيم ومصطفى صادق الرافعي. وأشهر كتاباتهم وأقساها كتاب «الديوان في الأدب والنقد» الذي أصدره العقاد والمازني عام 1921م، وبه سُمّي ثلاثتهم «مدرسة الديوان». ومآخذهم على الإحيائيين:
- استلهام النماذج البيانية القديمة مثلًا أعلى وطغيان الجانب البياني على المضمون والفكرة.
- الاهتمام الزائد بشعر المناسبات والمحافل والبعد عن تصوير الخلجات النفسية الإنسانية (وإن كتب العقاد في المدح معلّلًا بأن المدح الصادق ليس عيبًا).
- الاهتمام بقشور الأشياء وظواهرها.
- عدم وضوح شخصياتهم الشعرية، وبخاصة في معارضاتهم للشعر القديم.
- عدم مراعاة الوحدة الفنية والانتقال من غرض إلى آخر في القصيدة.
- المبالغات وعدم وضوح الصدق.
ثالثًا: خصائص مدرسة الديوان
- جمعوا بين الثقافة العربية والإنجليزية.
- شبابهم يتطلع في طموح إلى الآفاق ويستهدف المثل العليا لكن طموحاتهم تفوق واقع عصرهم.
- القصيدة كائن حي لكل جزء وظيفته ومكانه كأعضاء الجسم، فهي بناء حي لا تتعدد أغراضه ولا تتنافر أجزاؤه تحت عنوان يضمها في وحدة فنية.
- وضوح الجانب الفكري، فكثرت الذهنية وطغت العقلانية على العاطفة (كقول المازني: «لبستُ رداءَ الدهر عشرين حجةً…»).
- يتأملون في الكون ويتعمقون في أسرار الوجود.
- الصدق في التعبير والبعد عن المبالغات.
- ظهور مسحة الحزن والألم والتشاؤم واليأس.
- تخلصوا من تأثير الآداب القديمة ولم يستعيروا المادة القديمة واستخدموا لغة العصر.
- البعد عن المناسبات والموضوعات السياسية والاجتماعية.
- اهتموا بتعميق الظواهر إلى جوهرها بما جعل الفكر يسبق الشعور.
- تعميق فكرة العنوان للقصيدة وتجاوزها إلى عنوان للديوان كله كما في «عابر سبيل» للعقاد و«أزهار الخريف» لشكري، بينما كان السابقون يسمّون ديوان البارودي وديوان شوقي وديوان حافظ.
انفراط عقد المدرسة: فشل الأصدقاء الثلاثة في صداقتهم بعد فترة وانفضت المدرسة بعد أن هاجم شكري المازني لاختلافهما في بعض القضايا الأدبية وأخذ العقاد جانب المازني؛ فتوقف شكري عن قول الشعر بعد ديوانه السابع «أزهار الخريف» وأخلد إلى العزلة، وانصرف المازني عن الشعر بعد ديوانه الثاني (1917م) وآثر كتابة القصة والمقال الصحفي، وبقي العقاد وحده ممثلًا للاتجاه جاعلًا للشعر المقام الثاني من اهتمامه بعد كتاباته السياسية والاجتماعية والأدبية والإسلامية. وتتلمذ عليه أدباء منهم محمود عماد وعبد الرحمن صدقي وعلي أحمد باكثير والحساني عبد الله وأمثالهم بمصر، ومحمد حسن عواد بالسعودية.
وحدة البيت والوحدة الفنية: وحدة البيت أن يكون البيت مستقلًّا بمعناه (سارت عليها مدرسة الإحياء والبعث)، والوحدة الفنية أن تكون القصيدة كلًّا متكاملًا في موضوعها وأفكارها وشعورها (سارت عليها مدرسة الديوان).
رابعًا: نص «في رثاء مي» للعقاد
الشاعر: عباس محمود العقاد (1889–1964م) أحد أعلام التجديد الشعري والفكر النقدي، وقد تكونت منه ومن المازني وشكري جماعة الديوان نسبة إلى كتابهم «الديوان في الأدب والنقد» (1921م)، وفيه شرح لجوهر الشعر عندهم: تعبير عن ذات صاحبه ووجدانه، وتعظيم دور الصورة في نقل الإحساس، والحرص على تماسك القصيدة.
الموضوع: الرثاء وهو الحديث عن الميت وذكر محاسنه. والمرثية مي زيادة (1886–1941م) أديبة وشاعرة صاحبة نشاط ثقافي واجتماعي واسع من أصل غير مصري، عُرفت بصالونها الأدبي الذي كان يجتمع فيه كبار الأدباء والشعراء.
أين في المحفلِ ميٌّ يا صِحابْ؟ … … كلُّ هذا في الترابْ؟ آهِ من هذا الترابْ
الأفكار والتحليل:
- تبدأ القصيدة بسؤال لا ينتظر جوابًا (أين في المحفل مي؟) يتولى الشاعر نفسه الإجابة عنه بالحديث عن الأديبة التي رحلت وأخلفت ما اعتاده رواد ندوتها من البيان الرائع.
- ثم يتوسل بسؤال آخر إلى استعراض صفاتها: حسّية (حلاوة الحديث، جمال الصوت، صفاء الجبين، وضاءة الوجه) ومعنوية (الأخلاق الحميدة، الرأي الصائب، الذكاء الحاد)، أما جمالها «القدسي» (الطاهر) فيجمع بين الحسية والمعنوية.
- ثم يعود فجأة إلى واقع الموت والفناء الذي قضى على كل هذه الصفات وواراها التراب، فيتساءل تساؤل المصدوم المتشكك بغير أداة: «كل هذا في التراب؟» وفيه تعجب وعدم تصديق واحتجاج وغضب وألم.
- تعقبه صيحة «آه من هذا التراب!» وهي كلمة شكاية وتوجع، وتحمل مع الألم والتسليم معنى التحدي للموت الذي لن يطمس آيات مي وإبداعاتها.
- ويدرك أن التراب لن يرد ما غيّبه، لكنه يخاطبه متحديًا: فهو وإن وارى جسدها غير قادر على حجب مآثرها وفضلها التي لا سلطان له عليها.
التعليق (البناء الفني):
- تتألف القصيدة من أربع مقطوعات تتماسك لفظيًّا ومعنويًّا.
- لفظيًّا: تنتشر الأساليب الإنشائية، وبخاصة الاستفهام (أين، وهل مرة واحدة، وبغير أداة في نهاية المقطوعة الثالثة) والأمر («سائلوا النخبة من رهط الندى… أين مي؟»).
- معنويًّا: تعبر الاستفهامات المتتابعة (أين في المحفل مي؟ أين مي؟ أين ولى؟ أين غاب؟) عن صدمة الشاعر بمفاجأة الفقد؛ فيسأل «أين مي» كأنه لا يتصور موتها بل يسأل عن مكانها، ثم يتغير ما بعد «أين» (ولّى، غاب) فيتحول السؤال إلى رحيل إلى غيبة حزينة محتومة. وتصوّر «آه» الضعف والإقرار بالهزيمة وتحمل في ثناياها روح المقاومة والثورة.
- تدل الأفكار على وحدة فنية ونفسية وفق مذهب الديوان، مع صدق التعبير وبساطة اللغة وعمق الشعور.
- مناداتها «كوكباه!»: استعار الشاعر كلمة «كوكب» لمي لجامع السمو والشهرة، ثم ألحقها ألف الندبة وهاء السكت.
المفردات
| الكلمة | معناها |
|---|---|
| فصل الخطاب | القول الصواب |
| النخبة | الصفوة |
| رهط الندى | الجماعة ممن يحضرون مجلسها (الندى: مجلس القوم) |
| الشجي | المؤثّر الحزين |
| الشِّيَم الغُرّ | الأخلاق الحميدة (الغر: البيض) |
| الألمعي | صاحب الرؤية الصائبة |
| الجمال القدسي | الجمال الطاهر |
| ويك | كلمة تفيد التعجب والزجر |
أمثلة وتطبيقات
- تحليل: «كل هذا في التراب؟» استفهام بغير أداة غرضه التعجب والإنكار والاحتجاج.
- مقارنة: الإحيائيون يهتمون بالمناسبات ووحدة البيت وجزالة اللفظ، أما الديوانيون فيهتمون بالوجدان والفكر والوحدة الفنية والصدق.
- اشرح: لماذا اتجه شعراء الديوان إلى الطبيعة؟ لأنهم هربوا من الواقع الاستعماري المؤلم إلى عالم الخيال يبثون الطبيعة آمالهم الضائعة.
- لغة الشعر: لغة الديوانيين لغة العصر الخالية من الاستعارة من المادة الأدبية القديمة.
ملاحظات مهمة
- تواريخ الشعراء وسنة كتاب الديوان (1921م) وبداية نشر آرائهم (1909م) من الكتاب المدرسي.
- لا تخلط بين: مطران (وجداني متأثر بالفرنسية) والديوان (متأثرون بالإنجليزية).
- يُسأل عادةً: سبب التسمية، الرواد، خصائص المدرسة، موقفها من الإحيائيين، أسباب انفراط عقدها، وتحليل «في رثاء مي».
المفاهيم الأساسية
- مدرسة الديوان: جماعة شكري والعقاد والمازني التي سُميت باسم كتابهم «الديوان في الأدب والنقد».
- الوحدة الفنية (العضوية): أن تكون القصيدة كائنًا حيًّا متكامل الأجزاء.
- الرثاء: الحديث عن الميت وذكر محاسنه.
- ألف الندبة وهاء السكت: أسلوب نداء للتوجع (كوكباه).
- الذهنية: غلبة الفكر على العاطفة في الشعر.
ملخص الدرس
شكّل شكري والعقاد والمازني مدرسة الديوان متأثرين بالرومانتيكية الإنجليزية وبثقافتهم العربية، وهربوا من الواقع الاستعماري إلى الخيال والطبيعة وهاجموا الإحيائيين لاهتمامهم بالمناسبات والبيان وغياب الوحدة الفنية. ومن خصائصهم الوحدة الفنية والذهنية والصدق والحزن ولغة العصر والعنوان للديوان، ثم انفرط عقدهم بعد خلاف شكري والمازني وبقي العقاد. وفي «رثاء مي» عبّر العقاد عن صدمة الفقد بأسئلة متتابعة (أين…؟) وصفات الراحلة وتحدي الموت.
أسئلة للتدريب
- لِمَ سُمّيت مدرسة الديوان بهذا الاسم؟ ومن رواد المدرسة؟
- قارن بين مدرسة الديوان ومدرسة الإحياء والبعث في ضوء آراء شعراء الديوان.
- ما أسباب اتجاه شعراء الديوان إلى الطبيعة؟
- كيف انتهى المطاف الأدبي بالمازني وشكري والعقاد؟
- اشرح معنى «وحدة البيت» و«الوحدة الفنية» وبيّن المدرسة التي سارت على كل منهما.
- حلّل الأسلوب الإنشائي في «في رثاء مي» وبيّن ما يعبر عنه الاستفهام المتكرر.