اللغة العربية · الصف الثالث الثانوي
الاتجاه الوجداني (المدرسة الرومانتيكية) — نص: المساء (خليل مطران)
الاتجاه الوجداني في الشعر العربي: نشأته وريادة خليل مطران، وتحليل قصيدة «المساء»: التجربة والأفكار والتصوير الفني والنقد.
آخر تحديث: · كيف نراجع المحتوى
مقدمة
- المادة: اللغة العربية — الأدب والنصوص: (2) المدارس الرومانتيكية — (أ) الاتجاه الوجداني
- الشعبة: مشترك (كل الشُعب)
- الصفحات: 43–52 من كتاب الطالب
يقوم الاتجاه الوجداني على اكتشاف الفرد ذاته والعمل على النهوض بها، وعلى اعتزازه بثقافته الجديدة ووعيه الاجتماعي وتطلعه إلى المُثل الإنسانية العليا من حرية وكرامة وعدل ومساواة وحب وإخاء وعشق للجمال ومجافاة للقبح والتخلف. وفي هذا الدرس تدرس نشأته وريادة خليل مطران وتحلل قصيدته «المساء».
أهداف التعلم
- أن تتعرف نشأة الاتجاه الوجداني وتطوره وموقف شعرائه من الشعر القديم.
- أن تحدد سمات الشعر عند مطران من خلال مقدمة ديوانه ومآخذه على من سبقه.
- أن تستنتج أفكار نص «المساء» وتوضح التجربة الشعرية فيه.
- أن تبين أثر الاتجاه الوجداني في تصوير أحاسيس الشاعر وتحلل النص تحليلًا نقديًّا.
شرح الدرس
أولًا: الاتجاه الوجداني
نشأته وتطوره: بدأ الاتجاه الوجداني، الذي يحاكي الرومانتيكية الغربية، مع حركة الإحياء التي ردّت إلى الشعر العربي ما فقده من لمسات وجدانية ذاتية، ثم نما مع حركات التجديد التي كان مطران رائدها، حتى ازدهر منذ العقد الثالث من القرن العشرين على يد رواد مدرسة الديوان ومدرسة أبولو ومدرسة المهجر. وبدأ في التراجع بعد الحرب العالمية الثانية أمام تيار الواقعية الجديد.
موقف شعرائه من الشعر القديم: حرص أصحاب الاتجاه بعد الإحيائيين على الخروج من أسر الأنماط الشعرية المكررة على مر العصور، وابتكار صيغة شعرية حديثة يمتزج فيها التراث بالعصرية، وتكتسب فيها الألفاظ دلالات حديثة وقدرة جديدة على الإيحاء، وتقوم الصورة الشعرية فيها على مفهوم فني حديث ينتفع بالنظريات الجديدة في الأدب والفن والموسيقى واللغة، وتنطلق الصورة من الوجدان. (أي أنهم أفادوا من الموروث وجدّدوا فيه ولم ينقطعوا عنه.)
ثانيًا: ريادة مطران
خليل مطران (1871–1949م) شاعر لبناني وُلد في بعلبك لأسرة عربية مسيحية، وتلقى العلم في زحلة وبيروت، ثم ارتحل إلى باريس خوفًا من العسف التركي ثم هاجر إلى مصر وشارك في تحرير جريدة «الأهرام» وغيرها، وأُسندت إليه إدارة الفرقة القومية للمسرح سنة 1935م، ولُقّب بشاعر القطرين (مصر ولبنان) سنة 1947م. من آثاره ترجمة روايات شكسبير (عطيل، ماكبث، هملت) وكتب أدبية واقتصادية.
سمات الشعر عند مطران من مقدمة ديوانه (1908م): يقول إنه «شعر عصري … ليس ناظمه بعبده، ولا تحمله ضرورات الوزن أو القافية على غير قصده، يقال فيه المعنى الصحيح باللفظ الفصيح، ولا ينظر قائله لجمال البيت المفرد بل لجمال البيت في ذاته وفي موضعه، وإلى جمال القصيدة في تركيبها وترتيبها وتناسق معانيها، ومطابقة كل ذلك للحقيقة وشفوفه عن الشعور الحر وتحري دقة الوصف». ومن ذلك تتضح مآخذه على من سبقوه:
- الانصراف عن النفس وما يشغلها من أحاسيس.
- الاهتمام بالمناسبات والمجاملات على حساب المعنى والفكر والوجدان.
- عدم الاهتمام بالوحدة الفنية؛ فكانت القصيدة وحدات متعددة لا نسق لها يجمعها عضويًّا ونفسيًّا.
ثالثًا: نص «المساء» لخليل مطران
مناسبة النص: مرض الشاعر بعد حب أخفق فيه وطال به المرض، فنصحه بعض أصدقائه بالذهاب إلى «المكس» من ضواحي الإسكندرية حيث جو البحر المنعش وهواء الصحراء الجاف وهدوء الضواحي، لكنه لم يجد شفاءً بل وجد وحشة البعاد فوق آلام الحب والمرض، فشاع الحزن في قلبه وصبغ الدنيا بلون قاتم. ومن وحي ذلك قصيدته «المساء».
من أبيات القصيدة:
إني أقمتُ على التعلّةِ بالمُنى … في غربةٍ قالوا تكونُ دوائي
إن يشفِ هذا الجسمَ طيبُ هوائِها … أيلطّفُ النيرانَ طيبُ هواءِ؟
يا للغروبِ وما بهِ من عبرةٍ … للمستهامِ وعِبرةٍ للرائي
أوَ ليسَ نزعًا للنهارِ وصرعةً … للشمسِ بينَ مآتمِ الأضواءِ؟
التجربة الشعرية: يمثل الجانب الذاتي سفر الشاعر إلى الإسكندرية طلبًا للاستشفاء إثر آلامه النفسية والجسدية، وما أثاره من إحساس بالاغتراب ولوعة فراق المحبوبة.
أفكار النص:
- الفكرة الأولى (الأبيات 1–4): الغربة ودوافعها وظروفها ونتائجها. استقبل نصح الناصحين بالذهاب للإسكندرية لعله يجد في الغربة دواءً لما يعانيه، لكنه يتساءل مستنكرًا ويفرّق بين شفاء الجسد وشفاء الروح: فإذا شفى الهواء الطيب آلام الجسم فهل يشفي آلام النفس؟ والنتيجة أن السفر عمل لا جدوى منه، وزاده الابتعاد عن أهله علة جديدة (الاغتراب) إلى علته القديمة (فراق الحبيب)، فأسلمته العلتان إلى وحدة قاسية: سببها الحب وأثرها الكآبة ونتيجتها العناء.
- الفكرة الثانية (الأبيات 5–10): مشاركة الطبيعة بعناصرها: البحر والصخر والموج والرياح والمساء والأفق الحزين. يتخذ من البحر صديقًا يبث إليه نجواه فلا يجيبه إلا تدافع الرياح، ويقيم على صخر لا يحس بآلامه فيتمنى لو كان له قلب قاسٍ كالصخرة. ويبدو البحر مضطربًا ضائقًا كصدر الشاعر حين يحل المساء، والأفق معتكر كأن الظلمة نابعة من قلب الشاعر.
- الفكرة الثالثة (الأبيات 11–19): مشهد الغروب وإيحاءات التذكر والوداع والفراق. يرى في الغروب موقف مفارقة الروح أو استقبال الموت أو تباعد المحبين، فيتذكر الحبيبة وقلبه بين مهابة النهاية ورجاء اللقاء الجديد. وتتدفق دموعه عاكسة أشعة الغروب، وتتناثر أشعة الشمس الذهبية على قمم الجبال السوداء، والشمس تتوارى بين سحابتين فتبدو كدمعة حمراء بين جفنين. ويرى في مرآة المساء أنه يرثي نفسه مودعًا الكون كما تودعه الشمس.
رابعًا: التعليق على النص
- التيار الوجداني: يصوّر أحاسيسه وعواطفه في ذاتية واضحة.
- الطبيعة حيّة ناطقة ممتزجة بنفسه: يتخذ من صور الطبيعة ما يعادل أحاسيسه، فكأن ما في الطبيعة صدى لما في نفسه وما في نفسه صدى لما في الطبيعة، وتصبح الطبيعة الأم الرؤوم التي تحتضن مشاعره. فالقصيدة صورة كلية تتكون من صور جزئية:
- تشبيهية: موج كموج مكاره، البحر … كصدري، كدامية السحاب، كالدمعة الحمراء.
- استعارية: «شاكٍ إلى البحر يجيبني»، «البحر خفاق الجوانب ضائق»، «النهار مودّع»، «دمعة للكون».
- كنائية: «القلب بين مهابة ورجاء» كناية عن الاضطراب والحيرة، و«آنست يومي زائلًا» كناية عن نهاية الشاعر.
- ريادة مطران: تمثل القصيدة النزعة الوجدانية بما فيها من حب للطبيعة وارتباط بها وتصوير لمشاعر الحب وتشاؤم ينتهي بذكر الموت، وهي تمثل مرحلة انتقال من اتجاه الإحياء والبعث المحافظ إلى الاتجاه الوجداني.
- العنوان يعبر عن المضمون (المساء بما فيه من غروب وحزن).
- وحدة الوزن والقافية محفوظة.
- الوحدة الفنية: موقف شعوري واحد وموضوع واحد وأفكار ومشاعر مترابطة في أبيات متلاحمة عضويًّا ونفسيًّا.
- التوكيد: لقد، قد. ألفاظ توحي بالألم والوحدة: غربة، النيران، علة، منفاي، كآبة، عناء، هوجاء، ضائق، كمدًا.
- نقد وُجِّه للشاعر: استخدام «أحشائي» استخدامًا غير دقيق، وكلمة «إزائي» لأنها ليست شاعرية جاءت للقافية بعد «تجاه نواظري»، وكذلك «المترائي».
- محسنات بديعية قليلة غير متكلفة: حسن التقسيم في البيت الرابع، وطباق (أقمت/غربة، علة/استشفاء، شاكٍ/يجيبني)، وجناس ناقص (عَبرة/عِبرة).
- تنوع الأساليب: الاستفهام في البيت الثاني للنفي، وفي الثالث للتقرير والتوكيد، والتمني في البيت السادس للحسرة والألم، والنداء «يا للغروب» للدهشة والحيرة والتعجب. ومن الترادف: «نزعًا/صرعة». وتكرار «علة» يدل على تنوع الآلام وكثرتها وتكرار «متفرد» يوضح شدة حزنه.
- دلالة الجملة: الفعلية (فعلها مضارع) تدل على التجدد والاستمرار واستحضار الصورة، والاسمية تدل على الثبات والتوكيد.
المفردات
| الكلمة | معناها |
|---|---|
| التعلة | التلهي والتشاغل |
| الصبابة | الشوق |
| الثاوي | المقيم |
| الكمد | الحزن الشديد |
| خفاق | مضطرب |
| معتكر | مظلم |
| المستهام | الشديد الحب |
| كلمى | جرحى |
أمثلة وتطبيقات
- تحليل البيت الثاني: «أيلطّف النيران طيب هواءِ؟» استفهام غرضه النفي (لا يلطف)، ويبين الفرق بين شفاء الجسد وشفاء الروح.
- تشخيص: «شاكٍ إلى البحر يجيبني»: يجعل البحر إنسانًا يسمعه ويجيبه (التشخيص: إضفاء الحياة على ما لا حياة فيه).
- رؤية الأديب للكون: يرى الغروب حزينًا لأن حالته النفسية حزينة، فالكون مرآة نفسه.
- مقارنة: بين الإحيائيين ومطران في موضوعات الشعر: المناسبات والمجاملات في مقابل الذات والوجدان.
ملاحظات مهمة
- تواريخ حياة مطران وأرقام أبيات القصيدة من الكتاب؛ والأبيات المقتبسة للتمثيل فقط، فراجع النص كاملًا في كتابك.
- مطران مرحلة انتقال بين الإحياء والوجدانية، ولذلك يحافظ على وحدة الوزن والقافية.
- رائد الاتجاه الوجداني في الكتاب هو مطران.
المفاهيم الأساسية
- الاتجاه الوجداني: شعر يقوم على اكتشاف الفرد ذاته وتصوير مشاعره.
- الرومانتيكية: مذهب غربي يعلي الذات والخيال والطبيعة، وقد حاكاه الاتجاه الوجداني العربي.
- التشخيص: إضفاء الحياة على ما لا حياة فيه.
- الوحدة العضوية والنفسية: ترابط أجزاء القصيدة وأفكارها كجسم واحد.
ملخص الدرس
بدأ الاتجاه الوجداني مع حركة الإحياء وتطور بريادة خليل مطران وازدهر منذ العقد الثالث من القرن العشرين ثم تراجع بعد الحرب العالمية الثانية أمام الواقعية. أعلن مطران في مقدمة ديوانه مذهب الشعر العصري ووحدة القصيدة وصدق الشعور. وفي قصيدة «المساء» عبّر عن غربته وآلامه في الإسكندرية، وأشرك الطبيعة (البحر والصخر والغروب) في مشاعره، فجمع بين الوحدة الفنية والتصوير الوجداني، ممثلًا مرحلة الانتقال من الإحياء إلى الوجدانية.
أسئلة للتدريب
- علام يقوم الاتجاه الوجداني؟ ولماذا تراجع بعد الحرب العالمية الثانية؟
- ما سمات الشعر عند مطران كما تفهمها من مقدمة ديوانه؟ وما مآخذه على من سبقه؟
- اذكر أفكار «المساء» الثلاث.
- وضّح كيف مزج مطران بين مشاعره والطبيعة مع التمثيل.
- ما الغرض من الاستفهام في البيت الثاني؟ وما نوع الأسلوب في «يا للغروب»؟
- ما دوافع الغربة عند مطران؟ وإلى أي مدى حققت الغربة دوافعها؟