اللغة العربية · الصف الثالث الثانوي
الواقعية والشعر الجديد — نص: النسور (محمد إبراهيم أبو سنة)
الواقعية والشعر الجديد: السمات الفنية في المضمون والبناء والموسيقى (التفعيلة)، وتحليل قصيدة «النسور» لمحمد إبراهيم أبو سنة.
آخر تحديث: · كيف نراجع المحتوى
مقدمة
- المادة: اللغة العربية — الأدب والنصوص: (3) الواقعية والشعر الجديد — المدرسة الجديدة
- الشعبة: مشترك (كل الشُعب)
- الصفحات: 93–108 من كتاب الطالب
ظل الاتجاه الرومانتيكي سائدًا في الشعر العربي فيما بين الحربين العالميتين لدى شعراء الديوان والمهجر وأبولو، حتى جدّت على الحياة العربية عوامل سياسية واجتماعية واقتصادية وثقافية خففت من اتجاه الشعراء إلى الرومانتيكية ووجّهتهم وجهة واقعية بنسب متفاوتة. وفي هذا الدرس تتعرف السمات الفنية للشعر الجديد (شعر التفعيلة) ثم تحلل قصيدة «النسور» لمحمد إبراهيم أبو سنة.
أهداف التعلم
- أن تحدد السمات الفنية للشعر الجديد في المضمون وفي البناء.
- أن تتعرف التجديد في البناء الشعري ومفهوم الوحدة الموضوعية.
- أن تحلل قصيدة «النسور» فكرةً ورمزًا وصورة وإيقاعًا.
- أن تستنتج أهمية الاتجاه الجديد في الشعر العربي.
شرح الدرس
أولًا: التجديد في المضمون والموضوع
- الاتجاه إلى الحياة العامة: خالط شعراء الشعر الجديد في أول الأمر شيء من الرومانتيكية تأثرًا بمن سبقهم، لكنهم اتجهوا إلى الحياة العامة حولهم يصورون هموم الناس ومشاكلهم وآمالهم وتطلعاتهم. فمثلًا يتناول أبو سنة في «أسئلة الأشجار» موقف إنسان القرن العشرين الحائر بين التطلع إلى الكسب المادي الزائل والتمسك بالقيم الباقية.
- التصاق الشعر بالواقع: فهموا الشعر على أنه التصاق بالواقع وإحساس به وتعبير عنه بوجوهه من صدق وزيف وتقدم وتخلف وفرح ويأس وصراع بين الحرية والعبودية والعدل والظلم (كما في «فصول منتزعة» لصلاح عبد الصبور).
- حديث عن النهاية والموت (كما في قصيدة السياب «ليلة وداع»).
- اتساع التجربة الشعرية: لا تقتصر على العاطفة والخيال بل تجمع إليها موقف الإنسان من الكون والتاريخ والأساطير وقضايا الوطن وإحياء التراث (فصلاح عبد الصبور يستوحي قول عبيد بن الأبرص في عودة الغريب).
ثانيًا: التجديد في البناء الشعري
- اللغة الحية التي نسمعها في كلام الناس: كعنوان ديوان صلاح عبد الصبور الأول «الناس في بلادي»، وكلمات مثل «إلى اللقاء» و«كان يا ما كان». وأسرف بعضهم في استخدام العامية والأجنبية ليخففوا من سيطرة اللغة الكلاسيكية والمعجمية؛ فالأسلوب عندهم وسيلة لا غاية، مع محاولة الابتعاد عن التقريرية والخطابية والتعبير المباشر.
- الاهتمام بالصورة وتوظيف الرمز والأسطورة: كما فعل أبو سنة في «أسئلة الأشجار» بتشخيص الأشجار مدخلًا لتصوير المادية الزاحفة (النهر القادم يجرف الناس، والفقر غول يفر منه الناس)، وفاروق شوشة في «مد البحر» مصورًا انشغال الناس بأنفسهم والحزن جاثمًا على البيوت. ولا تقتصر صورهم على الجزئية (تشبيه، استعارة، كناية، مجاز مرسل) بل تتعدى إلى الصور الكلية الممتدة، وإن أسلمهم الرمز والأسطورة إلى بعض الغموض.
- الوحدة الموضوعية: أقاموا من القصيدة بناءً نامًيا متطورًا تتضافر فيه الأفكار والمعاني والعواطف والصور والموسيقى، كما تُصمَّم القصة أو المسرحية، وقسموه إلى فقرات كل منها «دفقة شعورية».
- الموسيقى (أهم أسس المدرسة): البيت التقليدي يقوم على تساوي الشطرين (الصدر والعجز) وتساوي أشطر القصيدة. أما الشعر الجديد فيعتمد على التفعيلة وحدة موسيقية تتكرر دون ارتباط بعدد محدد في كل سطر ودون شطرين؛ فقد يتكون السطر من تفعيلة واحدة أو أكثر، ولهذا سُمّي السطر الشعري لا البيت. والمرجع هو تمام التعبير عن الجملة أو المعنى. وتخلّوا عن التقيد بالقافية الواحدة لتفادي الرتابة والافتعال، كما في «مد البحر» لفاروق شوشة حيث يتراوح السطر بين أربع تفعيلات وتفعيلة واحدة وتتنوع القافية.
ثالثًا: نص «النسور» لمحمد إبراهيم أبو سنة
الشاعر: وُلد سنة 1937م في قرية بمركز الصف بمحافظة الجيزة، وشهد تحولات المجتمع المصري وأحداث المجتمع العربي، وهو من البارزين في الجيل الثاني من رواد الشعر الجديد. أصدر دواوين منها: «البحر موعدنا»، «تأملات في المدن الحجرية»، «أجراس المساء»، «قلبي وغازلة الثوب الأزرق»، «مرايا النهار البعيد»، إلى جانب مسرحيتين ودراسات.
أفكار النص (أربعة مواقف): تقوم التجربة على منهجين للإنسان في الحياة:
- المنهج الأول: الكبرياء والحرية والطموح والسمو والتطلع إلى ما هو أبقى وأخلد.
- المنهج الثاني: حياة دعة وسذاجة وخمول وسد لغريزة الجوع واستسلام للجبن والخوف وتوقع الموت.
- الموقف الأول: الإنسان الطموح كالنسر الطليق الهائم في أعالي الجبال، لا يعبأ بتذكر انشغال الخاملين (الأرانب) بلقمة العيش، ويصر على التطلع إلى المستحيلات كالشمس لا ترتبط بمدار، فيصبح الأفق ملكًا لها، وتقتل جوعها بكبريائها وتترفع عن السهول والحقول والغدران.
- الموقف الثاني: الخاملون الخائفون (الأرانب) في مضيق عميق ينتظرون المصير المدجج بالموت، يأكلون ويفرون إلى جحورهم ويرتجفون من الخوف بين الظلال.
- الموقف الثالث: النسور الطليقة تعرف أن هناك من يتعقبها ويترصدها بنصال تتعاقب خلف نصال، وأنها في موطن المراقبة والمهاجمة.
- الموقف الرابع: تزداد اعتزازًا بنفسها رافعة رأسها محلقة، مهما تبدلت أحوالها بين النجاح والفشل، فرحة بكفاحها، ولا تتذكر حياة الدعة بعد أن كانت تتذكرها (تحول من «تتذكر» إلى «لا تتذكر») سعيًا إلى «حلم الكمال».
التعليق:
- اللغة الموحية: كلمة «النسور» توحي بالقوة وبعد النظر والتحليق المرتفع وحدة البصر، فهي أقوى الطيور وأرفعها طيرانًا، وقد عبّر بها بصيغة الجمع وبالاسم الصريح ووصفها بـ«الطليقة» ثلاث مرات للإيحاء بالطامحين الأحرار الأباة. ويقابلها «الأرانب» بالجمع أيضًا وهي مشهورة بالخوف والضعف وحب الطعام، وتؤكد ذلك ألفاظ: تقفز، السهول بخضرتها، العشب، المضيق العميق، قابعة، الجحر، ترجف، الظلال.
- الرمز: يرمز النص كله إلى الطموح والحرية والإباء (النسور) في مقابل الخمول والضعف والجبن والحرص على الحياة (الأرانب). وتتعدد الرموز: الجبال، المحال، الشموس، النجوم، المنارات، الخلود (رفعة النفس) في مقابل السهول، المضيق العميق، الظلال (الخمول).
- الصورة: تعتمد على الصور الكلية الممتدة لا الجزئية وحدها، وتقترن بالرمز. فمن الاستعارة: الجوع يحرق أحشاءها، تأخذ الكبرياء، قتلت جوعها، المصير المدجج بالموت، النصال تتعقب؛ ومن التشبيه: مثل اللآل، مثل الشموس، النجوم مناراتها.
- استيحاء التراث: «ترجف بالمخوف» استيحاء من قوله تعالى: ﴿يَوْمَ تَرْجُفُ الرَّاجِفَةُ﴾ (النازعات)، و«النصال التي تتعاقب خلف النصال» استيحاء من قول المتنبي: «وكنتُ إذا أصابتني سهامٌ … تكسَّرت النصالُ على النصالِ»؛ ويذكّر الموقف العام بقول البارودي في عينيته.
- الجمع والطباق والتكرار: استخدم الجمع (النسور، الجبال، الشموس، النجوم… في مجال العظمة؛ والأرانب، الحقول، السهول، الظلال… في مجال الدعة)، وطباق (تعلو وتخفق)، ومقابلة، وتكرار (النسور، الأفق، السهول، الطليقة…) وتكرار الجملة «النسور الطليقة في الأفق». والفعل المضارع يدل على التجدد: ترصد، تتذكر، تسدد، تتعالى، تحلق، تنسى، تعرف… في مقابل أفعال الخاملين القليلة: تقفز، تأكل، ترجف، إضافةً إلى اسم الفاعل «قابعة».
- الموسيقى والبناء: تمثل القصيدة منهج شعر التفعيلة: السطر الشعري بديل البيت وبلا تساوٍ بين الأسطر، وقوافٍ متنوعة بعضها مطلق وبعضها مقيد (اللام الساكنة بعد ألف: الجبال، اللآل، المحال… واللام المتحركة بعد واو: السهول، الحقول)، وموسيقى داخلية.
المفردات
| الكلمة | معناها |
|---|---|
| غدران | جمع غدير: ماء يتركه السيل |
| المدجج | اللابس السلاح (كأنه مغطى بالموت) |
| النصال | حدائد الرماح والسهام |
| الهامات | الرؤوس |
| الذرا | القمم |
| السحيق | البعيد |
| قابعة | مقيمة منكمشة |
أمثلة وتطبيقات
- تمييز: البيت التقليدي له شطران متساويان وقافية موحدة؛ أما السطر الشعري في الشعر الجديد فمرتبط بتمام المعنى ولا يلتزم عددًا من التفعيلات ولا قافية واحدة.
- تحليل الرمز: النسر = الطموح والحرية، والأرنب = الخوف والاستسلام.
- تحليل التحول: النسور كانت «تتذكر» السهول ثم صارت «لا تتذكر» لانشغالها بالقمة والخلود.
- إبداء الرأي: هل ترى في الغموض الذي يسببه الرمز عيبًا أم ميزة؟ علّل.
ملاحظات مهمة
- سنة ميلاد أبو سنة (1937م) من الكتاب المدرسي بعد المراجعة؛ ولم يُنقل نص القصيدة هنا كاملًا حفاظًا على حقوق مؤلفها، فراجعه في الكتاب.
- لا تخلط بين: الشعر المرسل (عند أبولو) وشعر التفعيلة (الشعر الجديد).
- من أهم سمات الشعر الجديد: الوحدة الموضوعية، الرمز والأسطورة، السطر الشعري، اللغة الحية، الغموض أحيانًا.
المفاهيم الأساسية
- الواقعية: اتجاه يلتصق بالواقع ويعبر عن هموم الناس وقضاياهم.
- شعر التفعيلة (الشعر الجديد): شعر تقوم موسيقاه على تكرار التفعيلة دون التزام عدد محدد ولا شطرين.
- السطر الشعري: وحدة النص في الشعر الجديد بدل البيت.
- الوحدة الموضوعية: بناء القصيدة كوحدة متكاملة نامية.
- الصورة الكلية الممتدة: صورة تتكون من تعاون صور جزئية في مقاطع القصيدة.
ملخص الدرس
اتجه شعراء المدرسة الجديدة بعد الرومانتيكية إلى الواقع فصوروا هموم الناس وقضايا الوطن والكون والتاريخ، واستخدموا اللغة الحية والرمز والأسطورة والصور الكلية، وأقاموا القصيدة وحدة موضوعية، وجددوا في الموسيقى باعتماد التفعيلة والسطر الشعري وتنويع القوافي. وفي «النسور» لأبو سنة موقفان للإنسان: طموح كالنسر وخمول كالأرنب، في أربعة مواقف تنتهي بإصرار الطامحين على حلم الكمال.
أسئلة للتدريب
- وضّح بإيجاز سمات الشعر الجديد من حيث الشكل والمضمون.
- ما مفهوم الوحدة الموضوعية في الشعر الجديد؟
- لماذا سُمّي الشعر الجديد «شعر التفعيلة»؟ وبماذا يختلف السطر الشعري عن البيت؟
- ما المنهجان للإنسان في قصيدة «النسور»؟ وما رمز النسور والأرانب؟
- استخرج من النص صورًا ورموزًا مع بيان قيمتها.
- كيف استوحى الشاعر التراث في النص؟