الجغرافيا السياسية · الصف الثالث الثانوي
مدخل لدراسة الجغرافيا السياسية
مفهوم الجغرافيا السياسية وتطورها على يد أرسطو وابن خلدون وراتزل وكيلين، والفرق بينها وبين الجيوبولتيك، وأهدافها ومجالاتها، وأثر الاستشعار من بعد وتكنولوجيا المعلومات ونظم المعلومات الجغرافية.
آخر تحديث: · كيف نراجع المحتوى
مقدمة
- الشعبة: أدبي فقط (كتاب سنوي موحّد)
- الدرس التمهيدي: مدخل لدراسة الجغرافيا السياسية
شهدت الخريطة السياسية للعالم تغيرات مستمرة على مر التاريخ: ظهور دول واختفاء أخرى، واندماج دول أو انقسامها، وتغير توزيع القوى العالمية. وكان من أبرز هذه التغيرات في الآونة الأخيرة تفكك الاتحاد السوفيتي (ديسمبر 1991) وقيام دول جديدة بدلًا منه. والعلم الذي يدرس هذه الخريطة وتغيراتها هو الجغرافيا السياسية، وهو ما تبدأ به رحلتك في هذا الكتاب.
أهداف التعلم
- أن تحدد مفهوم الجغرافيا السياسية وتحلل خريطة العالم السياسية وتغيراتها.
- أن تتعرف إسهامات العلماء في تطورها: أرسطو وابن خلدون وراتزل وكيلين.
- أن تعدد أهدافها ومجالاتها وتستنتج أهميتها.
- أن تميز بين الجغرافيا السياسية والجيوبولتيك.
- أن تقدر أثر التقنيات الحديثة (الاستشعار من بعد، تكنولوجيا المعلومات، نظم المعلومات الجغرافية) في تطورها.
شرح الدرس
أولًا: مفهوم الجغرافيا السياسية
الفرع الذي يهتم بدراسة الخريطة السياسية العالمية وتغيراتها هو علم الجغرافيا السياسية، وهو أحد فروع الجغرافيا البشرية.
الجغرافيا السياسية: فرع من فروع الجغرافيا البشرية يهتم بدراسة المقومات الجغرافية (الطبيعية والبشرية) للدولة وتنظيمها الداخلي وتأثير ذلك في قوتها السياسية وعلاقتها الدولية.
ثانيًا: تطور الجغرافيا السياسية
تطورت الجغرافيا السياسية على يد عدد من العلماء:
- أرسطو (383 – 322 ق.م): يعد أشهر من كتب في الجغرافيا السياسية قديمًا، فقد تناول في مؤلفه «السياسة» الدولة المثالية وحدد عناصرها في خمسة موضوعات: عدد سكان الدولة، ومواردها الاقتصادية، والعاصمة، والجيش، والحدود السياسية. كما حدد مدى قوة الدولة أو ضعفها كمركب سياسي في عدد سكانها وموارد اقتصادها والعلاقة بينهما، وناقش موضوع الحدود السياسية الحصينة وموقع الدولة الجغرافي وتأثير المناخ عليها.
- ابن خلدون (1332 – 1406م): من أبرز المفكرين الذين أضافوا كثيرًا إلى الفكر الجغرافي في «مقدمة التاريخ»، وركز فيها على أهم ظاهرتين في البناء السياسي بالعالم العربي وقتذاك وهما القبيلة والمدينة، ووضع الإطار العام الذي عُرف باسم دورة حياة الدولة: النشأة ← الشباب ← النضج ← الاضمحلال، وتحدث عن عوامل قيام الدول ونهضتها وسقوطها.
- فردريك راتزل (1844 – 1904م): جاء الميلاد الحقيقي للجغرافيا السياسية على يد العالم الجغرافي الألماني فردريك راتزل، حيث وضع أول مؤلف علمي في الجغرافيا السياسية حمل اسمها الحالي عام 1897م، واعتبر الدولة بمثابة كائن حي تطبق عليه قوانين الميلاد والنمو والوفاة، وذكر أن الخريطة السياسية للعالم تشكلت نتيجة للصراع بين الدول.
- رودلف كيلين (سويدي): ظهر على يده مصطلح الجيوبولتيك عام 1899م، ويعني دراسة تأثير العوامل الجغرافية والاقتصادية والبشرية في سياسة الدولة الخارجية. والهدف من تطور القوة السياسية للدولة هو تحقيق هدفين: خارجيًّا الحصول على حدود طبيعية جديدة أي التوسع على حساب الدول المجاورة، وداخليًّا تحقيق الوحدة والتجانس بين شعبها.
معلومة إثرائية: من أشهر علماء الجيوبولتيك ألفرد ماهان الذي كتب عن القوة البحرية وعلاقتها بالسيادة والسيطرة العالمية، ورودلف كيلين الذي ركزت آراؤه حول نمو الدولة عضويًّا واعتبر الأراضي بمثابة جسم الدولة والعاصمة قلبها، وهوسهوفر الذي أسس مدرسة الجيوبولتيك في ميونخ بألمانيا.
وقد حدث خلط بين الجغرافيا السياسية والجيوبولتيك خاصة في الفترة ما قبل الحرب العالمية الأولى إلى ما بعد الحرب العالمية الثانية، إذ اعتقد البعض أنهما علم واحد، وظهر ذلك من خلال التوسع الإقليمي والغزو الاستعماري، وكانت أبرز هذه الصور في ألمانيا التي استغلت مفاهيم الجغرافيا السياسية لراتزل بصورة خطأ في توسعها الاستعماري على حساب الدول المجاورة التي اعتبرتها المجال الحيوي لها.
| وجه المقارنة | الجغرافيا السياسية | الجيوبولتيك |
|---|---|---|
| ماذا تدرس؟ | تدرس الكيان القائم للدولة كما هو فعلًا | ترسم تصورًا لما يجب أن تكون عليه الدولة ومطالبها في مجال السياسة الخارجية في المستقبل |
| نظرتها للدولة | تدرس الدولة ككيان استاتيكي (ثابت) | تنظر للدولة ككائن حي |
وقد استمر تطور الجغرافيا السياسية؛ إذ كان للتغيرات التي طرأت على خريطة العالم السياسية أثر كبير في انتعاش هذا العلم وبدأ يأخذ طابع العالمية والشمول. وترتبط الجغرافيا السياسية بفروع الجغرافيا الأخرى التي تمدها بالمعلومات اللازمة عن المقومات الطبيعية والبشرية للدولة (محور الدراسة)، كما ترتبط ببعض العلوم الأخرى مثل علم التاريخ والعلوم السياسية.
ثالثًا: أهداف الجغرافيا السياسية
- دراسة الوحدات السياسية (الدولة) من حيث ملامحها الجغرافية (الطبيعية والبشرية).
- تحديد عناصر القوة والضعف للوحدات السياسية.
- تحليل التجمعات الإقليمية والعالمية تحليلًا (جغرافيًّا) موضوعيًّا.
- التعريف بالمشكلات السياسية وتحليلها واقتراح حلول مناسبة لها، ومن أمثلة ذلك: دور الجغرافيين بعد الحرب العالمية الأولى والثانية في رسم الحدود السياسية الحديثة في أوروبا، ودور الجغرافيين في الدفاع عن حق مصر في قضية طابا.
- توفير البيانات والمعلومات الموضوعية اللازمة لاتخاذ القرارات السياسية والعسكرية ذات الأبعاد المكانية (الجغرافية).
رابعًا: مجالات الجغرافيا السياسية
كان الاهتمام الرئيسي للجغرافيا السياسية يتمثل في: (1) دراسة الوحدات السياسية (الدولة)، (2) العلاقات الدولية، (3) المشكلات السياسية. ونتيجة للتغيرات السريعة التي شهدها العالم خاصة خلال أواخر القرن العشرين وبداية هذا القرن اتسعت مجالاتها لتشمل التحليل السياسي للقوة، والنظام العالمي الجديد وما ينتج عنه من تغيرات.
- الدولة كمجال للدراسة: تشمل دراسة الدولة من حيث: (أ) الخصائص الطبيعية من موقع ومساحة وتضاريس ومناخ وموارد طبيعية وغيرها، (ب) الخصائص البشرية من حيث السكان والأنشطة الاقتصادية، (ج) السياسات العامة للدولة وعلاقاتها الخارجية، (د) تحليل قوة أو ضعف الدولة في ضوء خصائصها الطبيعية والبشرية.
- التحليل السياسي للقوة: يرتكز دور الجغرافيا السياسية في هذا المجال على دراسة الأبعاد الجغرافية للصراع بين القوى المتنافسة على مسرح السياسة العالمية.
- النظام العالمي وما ينتج عنه من تغيرات: مجال بالغ الأهمية في ظل التغيرات السريعة، وتشهد السنوات الأخيرة اتجاه القوى الرأسمالية الكبرى نحو الهيمنة والسيطرة على مقدرات وموارد دول العالم الثالث. ومن مجالاته الفرعية: (أ) التكتلات الاقتصادية والسياسية مثل الاتحاد الأوروبي واتفاقات منظمة التجارة العالمية وأثرها على الدول، (ب) الأحلاف العسكرية مثل حلف شمال الأطلنطي (الناتو)، (ج) العولمة التي ظهرت بوضوح منذ منتصف التسعينيات من القرن العشرين، (د) قضايا الأمن المائي والغذائي والطاقة للدول، (هـ) المنظمات الدولية والإقليمية مثل الأمم المتحدة وجامعة الدول العربية، (و) آثار التدخلات العسكرية وغيرها.
العولمة: عملية تغيير الأنماط والنظم الاقتصادية والاجتماعية تقوم بها الدولة الأقوى على الدول الأخرى لفرض هيمنتها عليها، وتشمل عولمة اقتصادية وعولمة اجتماعية.
معلومات إثرائية: العولمة الاقتصادية زيادة حجم وتنوع معاملات السلع والخدمات العابرة للحدود وسرعة انتشار التكنولوجيا وحركة الموارد البشرية. العولمة الاجتماعية تعني تذويب الفوارق الدينية والقومية والوطنية بين الدول وتقوم بها الثقافة الأقوى بغرض فرض هيمنة ثقافتها على الدول الأخرى. الأمن الغذائي توافر الغذاء لكل جموع الشعب في أي فترة بكمية كافية ونوعية جيدة تضمن حياة سليمة ونشطة. الأمن المائي إشباع كافة الاحتياجات المائية كمًّا وكيفًا مع استمرار هذه الكفاية للأجيال القادمة.
خامسًا: الجغرافيا السياسية والتقنيات الحديثة
أدى التطور المعرفي والتكنولوجي إلى ظهور وسائل وتقنيات حديثة طورت علم الجغرافيا السياسية كغيره من العلوم:
- الاستشعار من بعد: أدى استخدامه وما يستخدمه من وسائل التصوير الجوي والفضائي وأجهزة تحديد المواقع (GPS) إلى توفير مرئيات فضائية ومعلومات أكثر دقة عن كثير من المجالات، مثل: الحدود السياسية بين الدول، والممرات الملاحية والمياه الإقليمية للدول، ومناطق النزاعات بين الدول.
- تطور وسائل الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات: أصبح العالم وحدة واحدة أو ما يعرف بـالقرية الكونية لسرعة تدفق المعلومات والبيانات عبر حدود الدول، واستفاد علم الجغرافيا السياسية من ذلك.
- نظم المعلومات الجغرافية: إضافة هائلة للعلوم وخاصة الجغرافيا السياسية بـ: توفير كافة البيانات والمعلومات الرقمية عن الموارد الطبيعية والبشرية واستخدامات الأراضي مما يساعد على التعرف على مدى قوة الدولة، وتوفير خرائط حديثة ودقيقة عن الدول، ومساعدة متخذي القرار في اتخاذ القرارات السياسية السليمة اعتمادًا على البيانات الدقيقة والتفصيلية.
أمثلة وتطبيقات
ميّز بين الجغرافيا السياسية والجيوبولتيك: الجغرافيا السياسية تصف الدولة كما هي فعلًا (كيان ثابت)، أما الجيوبولتيك فيرسم ما يجب أن تكون عليه وتنظر إليها ككائن حي يسعى للتوسع.
حدد المجال الذي يخدمه كل مثال:
| المثال | المجال |
|---|---|
| دراسة موقع مصر ومساحتها وسكانها وقوتها | الدولة كمجال للدراسة |
| الاتحاد الأوروبي ومنظمة التجارة العالمية | النظام العالمي: التكتلات الاقتصادية والسياسية |
| حلف شمال الأطلنطي (الناتو) | النظام العالمي: الأحلاف العسكرية |
| تحديد مناطق النزاعات الحدودية بمرئيات فضائية | الاستشعار من بعد |
ملاحظات مهمة
- ابن خلدون: القبيلة والمدينة ودورة حياة الدولة (أربع مراحل). راتزل: الدولة كائن حي (ميلاد ونمو ووفاة)، وكتابه 1897م. كيلين: مصطلح الجيوبولتيك 1899م.
- المجال الحيوي مفهوم استغلته ألمانيا في توسعها على حساب جيرانها.
- لا تخلط بين الأمن المائي والأمن الغذائي، ولا بين العولمة الاقتصادية والعولمة الاجتماعية.
- مصطلحا «الجغرافيا السياسية» و«الجيوبولتيك» ليسا مترادفين رغم الخلط بينهما.
المفاهيم الأساسية
- الجغرافيا السياسية: فرع من الجغرافيا البشرية يدرس المقومات الجغرافية للدولة وتنظيمها الداخلي وأثر ذلك في قوتها السياسية وعلاقتها الدولية.
- الجيوبولتيك: دراسة تأثير العوامل الجغرافية والاقتصادية والبشرية في السياسة الخارجية للدولة.
- المجال الحيوي: المجال الذي تعده الدولة التوسعية ضروريًّا لحياتها على حساب جيرانها.
- العولمة: عملية تغيير الأنماط والنظم الاقتصادية والاجتماعية تقوم بها الدولة الأقوى لفرض هيمنتها.
- الأمن الغذائي / الأمن المائي: توافر الغذاء / إشباع الاحتياجات المائية كمًّا وكيفًا للجميع.
- الاستشعار من بعد: الحصول على مرئيات فضائية ومعلومات عن الأرض بوسائل التصوير الجوي والفضائي وGPS.
- نظم المعلومات الجغرافية: نظم توفر بيانات رقمية وخرائط دقيقة لمتخذي القرار.
ملخص الدرس
الجغرافيا السياسية فرع من الجغرافيا البشرية يدرس المقومات الجغرافية للدولة وتنظيمها الداخلي وأثرها في قوتها وعلاقاتها. تطورت على يد أرسطو (الدولة المثالية وعناصرها الخمسة) وابن خلدون (القبيلة والمدينة ودورة حياة الدولة) وراتزل (الدولة كائن حي، 1897م) وكيلين (مصطلح الجيوبولتيك 1899م). وتختلف عن الجيوبولتيك في أنها تدرس الدولة كما هي بينما يرسم الجيوبولتيك ما يجب أن تكون عليه. وتهدف إلى دراسة الدولة وتحديد قوتها وضعفها وتحليل التجمعات وحل المشكلات السياسية وتوفير البيانات لمتخذي القرار. ومجالاتها: الدولة والعلاقات الدولية والمشكلات السياسية والتحليل السياسي للقوة والنظام العالمي. وتخدمها الاستشعار من بعد وتكنولوجيا المعلومات ونظم المعلومات الجغرافية.
أسئلة للتدريب
- عرّف الجغرافيا السياسية، ثم اذكر إسهام كل من أرسطو وابن خلدون وراتزل وكيلين في تطورها.
- اذكر الفرق بين الجغرافيا السياسية والجيوبولتيك في جدول.
- اذكر ثلاثة من أهداف الجغرافيا السياسية مع مثال لدور الجغرافيين في حل مشكلة سياسية.
- اشرح مجال «النظام العالمي وما ينتج عنه من تغيرات» مبينًا مجالاته الفرعية.
- بيّن أثر الاستشعار من بعد ونظم المعلومات الجغرافية في تطور الجغرافيا السياسية.